عن حمدين هذه المرة… استعادة حلم

لامني الكثيرون في الأسبوع الماضي على ما تصوروه أو رأوه تحيزاً للمشير السيسي على حساب منافسه حمدين صباحي، فكان ردي عليهم ببساطة أن المقال كتب قبل لقاء حمدين الطويل على قناة الـ’سي بي سي’، هذا فضلاً عن كوني لم أكتب بغرض المقارنة وإنما لمحاولة قراءة وتحليل ما وراء الخطاب من رسائل وإشارات، سعياً لرؤية الرجل على ضوء كلماته، ولئن كنت قد افتتحت مقالي السابق بقصة شخصٍ تصادفت معرفته كان يصدع رأسي بترديده لما كان يحسبه مثلاً صينياً ‘تكلم حتى أراك’ (وفاتني أن أشير إلى كون المقولة لسقراط) فإنني استعير من صديقٍ عزيزٍ مناضل هذه المرة، فلسطيني لم يصدع رأسي، مقولته الكاشفة التي يصف بها نفسه وجيله من العاملين في المجال العام ‘التربية السياسية’.
استحضرت هذه الكلمة أو التوصيف وأنا أشاهد، بتركيزٍ شديد، مقابلة حمدين، وبالطبع لا أعني هنا التربية العقائدية التي تفرضها الأنظمة الشمولية على مواطنيها البائسين وإنما ذلك النوع الذي اكتسبه حمدين والمهتمون بالشأن العام من جيله ممن عاصروا ‘سنوات الغليان’ (إذا جازت الاستعارة) والحراك، سنوات المد الجماهيري الذي واكب صعود نجم مصر الساعية للتحرر، تلك الفترة الساخنة في الخمسينيات والستينيات، وما أدراكم ما الستينيات، فترة نهوضٍ فارقة في تاريخ مصر الحديث، على الرغم من كل الشوائب والتجاوزات، ولا أعني هنا السلطة وإنما المجتمع الآخذ في التشكل على قاعدة مكتسباتٍ اقتصادية – اجتماعية (بغض النظر عن الاختلافات النظرية عن مدى اشتراكية أو جذرية هذه التغييرات) فتحت المجال وأتاحت الفرص أمام قطاعاتٍ متسعة للتعليم والترقي، للتحقق والنجاح وتخطي حواجز طبقية كانت تعترض طريق معظم الناس، زمنٌ آخر وجيلٌ آخر تلازمت في ذهنه المواطنة مع الاهتمام بالسياسة والشأن العام، ثم شاهد الردة والاندحار وتفتت الحلم المغدور بعد 1970، وتحديداً في أعقاب حربٍ من المفترض أن تكرس لمعاني التحرر وتخطي الهزيمة، حمدين ابن هذا الجيل، تشرب السياسة التي كانت تحيط بالناس وبالشباب الناشئ، وككثيرين من أبناء جيله الذين شبوا على حب عبد الناصر وتقدير منجزاته، بوغتوا بردة السادات وثورته المضادة، البعض صدق الحكايا الجديدة والبعض الآخر، ومنهم حمدين وسائر الناصريين، غضبوا من تلال الأكاذيب والسردية الجديدة التي دشنها السادات، ببطولة الحرب والسلام المزعومة، وتبعه فيها مبارك، خاصةً وقد رأوا كل المكاسب يتم إما تحطيمها أو تفكيكها أو الاستيلاء عليها، رأوا وطناً ينهب وتخلياً عن رفاق السلاح وأصحاب الحق، واندحاراً ثم انحيازاً للعدو وغفلةً تعم الناس، رأوا مصر تشيخ وتتقزم، تتآكل أطرافها، أولئك الذين رفضوا ذلك ظلوا يدافعون عن وطنهم وأحلامهم، يصرخون بأعلى أصواتهم في الحلقات الضيقة، مع الأهل في تجمعات الأعياد والأفراح، على شتى المقاهي.. في المنابر المتاحة ثم في الفضائيات حين ظهرت، في مصر والغربة.
كل ذلك كان حاضراً حين تحدث حمدين، فالرجل لا يسعى إلى خلق انطباعٍ بالشعبوية لأنه ببساطة شديدة شعبوي فعلاً وبامتياز، ولأنه ابن الحركة الطلابية، خاض السجال في الجامعة والسجون والمناسبات العامة وعلى المقاهي، فالرجل حقاً متمرس، محترف كلام، يجيد الجدل والحوار ويصعب إحراجه أو’حصره في ركن’، على الرغم من حرص محاوريه الشديد على تصيد كل ما يتصورونه سقطةً في كلامه أو محاولة إظهاره كذلك، ناهيك عن جره لتجريح في منافسه المشير السيسي، كما أن أي مراقبٍ لحمدين يصل ببساطة إلى الشعور بأنه تسُهل قراءته بالمقارنة بالمشير، فهولا يبدو ملغزاً بالمرة، مرتاحٌ في جلده، كما يقولون وكما تبدي حركاته و’لغته الجسدية’، لا يرتدى قناعاً ولا يحاول إيصال رسالةٍ بين السطور، هو ما تراه وتلك آراؤه، نمت ونضجت عبر سنين، قريبة إلى قلبه ولا يجد صعوبةً في ترديدها والدفاع عنها، خاصةً أنه تشرب المعارضة من طيلة ما قبع في خنادقها. ناقمٌ غاضبٌ على مبارك منذ زمنٍ بعيد، لم يفق صبيحة يومٍ ليجد نفسه في خضم ثورةٍ يتعين عليه فيها أن يقرر من يختار، عارض حين آثر الكثيرون السلامة، تربيةٌ سياسة كما أسلفت، وهي في بلداننا حيث كان الحاكم الأوحد إله والمعارضة شكلية ومخصية، في حقيقة الأمر تساوي تلك التربية والتدريب الذي يكتسبه ممتهنو السياسة لدى انضمامهم إلى الأحزاب، حيث يلتحقون بمكتب أعضاء الحزب البارزين فيعملون بالقرب منهم وفي حملاتهم ‘ليرضعوا الصنعة’ ويتشريوا تعقيداتها وحساباتها وحيلها.
لقد حرص حمدين في لقائه على إبراز إيمانه بالشعب المصري، والشباب تحديداً، وبدور مصر القيادي الذي لا تدانيه دولةٌ أخرى في يقينه، كما سعى إلى تأكيد مدى استعداده لكل إشكاليات مصر، وما أكثرها، وعلى إيمانه بدور المؤسسات المختصة والهيئات بعد إعادة هيكلتها؛ أنت لا تحتاج إلى طول تفكير لتدرك أن تفكيره منظم وذهنه حاضر، والأهم من هذا وذاك، تشديده على الجانب الاجتماعي المنحاز للناس في مشروع عبد الناصر الطموح وتخطيه للجانب السلطوي، فهو يدرك ان الزمن تطور، ربما لم يستخدم تلك الكلمات بالنص إلا أنك لا تخطئ القصد والمعنى.
هو يتكلم من أعلى موج تيارٍ مدني هو الأعرض، يرى أنه أشعل الثورة وقادها ثم سلبت منه مرتين، لذا يحرص ويصر على العدالة الانتقالية التي تؤدي إلى المصالحة المجتمعية، يريد دولةً قويةً حاضرةً ضامنةً فاصلةً في النزاعات وجيشاً قوياً، إلا أنه لا يريد ضباطاً يحكمون علناً أو من وراء ستارٍ شفيف، لا أنكر أن فكرة استعداده بإجابةٍ وحلٍ لكل المشاكل المزمنة قد تبدو ساذجةً وغير مقنعة للكثيرين، كمشروع تمليك فدانٍ لكل محتاج بما يجمع من طوبويةٍ ويفترض من توافقٍ للنوايا الحسنة، إلا أن شيئاً من ذلك لا يدهش ولا يدعو للاستغراب، فهكذا هي الانتخابات، كل مرشحٍ يريد أن يبدو مقنعاً، محيطاً بكل القضايا، ملماً بكل التفاصيل واثقاً من حلوله.
لا أستطيع أن أفوت هذه الفرصة من دون أن أنتصر لثورة 25 يناير، إذ ما من لحظةٍ مرت أثناء لقاء المشير السيسي ثم الأستاذ حمدين من دون أن أدرك بعمق أنه لولاها ولولا تضحيات الشهداء والمصابين ما كنا عشنا اليوم الذي نرى فيه مرشحين حقيقيين، من لحمٍ ودمٍ (على الرغم من عدم تكافؤ الفرص بينهما واستئثار المشير بدعم الدولة العميقة الذي لا جدال فيه) يعرضان نفسيهما أمام الجمهور محاولين بيع بضاعتيهما وإقناع الناس، نحن مدينون لمن دفعوا الثمن بأرواحهم ودمائهم وعيونهم، كما لا أملك سوى أن أفصح عن إعجابي الشديد بما أبداه حمدين في اللقاء، قد أختلف معه في الكثير من القضايا بصفةٍ عامة، وقد ألومه على تصريحاتٍ أو تصرفاتٍ صدرت منه في الماضي، لكنه إنسان يخطئ ويصيب، له مواقفه التي قد تكون صائبة أو خطأ هي الأخرى.. هو ‘واحد مننا’ كما اختار شعاراً له في حذقٍ مدهش، كما أعترف بأنني شعرت وأنا أشاهده أنه إذا انتخب، وفي حال لم تعارضه وتكِد له أجهزة الدولة العميقة، قادرٌ على أن يخرج بنا من ذلك الثقب الأسود الذي سقطنا فيه عقوداً طويلة، لنأخذ مكاننا بين الأمم التي تعيش في عصرنا الحالي، قد أختلف معه بل وأعارضه، إلا أن ذلك سيتم على أرضيةٍ ديمقراطيةٍ مشتركة.
أنا ابن الهزيمة، ولدت وكبرت وتشكل وعيي على وقع الهزائم والانكفاء وحـــروب الخليج وأوسلو وتدمير العراق وسائر التسويات التي كانت في حقيقتها تصفيات، على معاني اللاجدوى، في السياسة كـــما في سائر معاني الحياة، حلمت باستعادة الأمل والحــــلم، باسترداد وطن بل أوطانٍ منهوبة، حمدين في لقائه ذلك لم يعبر هوة الأجيال فحسب وإنما أثبت أنه يصــــلح في حال عدم فوزه بالرئاسة أن يصبح قطباً أو اسماً تلتف حوله فصائل المعارضة (خاصةً اليسارية) في تحالفٍ واسعٍ أو جبهة تضمن عدم تغول السلطة واستبدادها، تمنع العودة إلى الوراء، خاصةً بعد خروج د. البرادعي من المعادلة، على الأقل حتى الآن.

‘ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية