عن دور الزمن في المنازلة بين المستعمر والمستعمر داخل مخيم جنين بوصلة الفلسطينيين وخزينة لأسرار الصراع التاريخي مع الصهيونية

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: «حان الوقت لوقف كل شيء والاستعداد للحرب» هذا هو عنوان تحليل المحلل العسكري الإسرائيلي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» يوسي يهوشع، ويقول فيه إن هذه الأيام متوترة جداً من الناحية الأمنية. ويعلل ذلك بالقول إنه يكفي أن نرى ما جرى هنا منذ بداية الأسبوع الفائت في كل القطاعات، وبرأيه تشكّل الهجمات في الضفة الغربية تحدياً كبيراً وقاسياً. ويتابع «لكن على الرغم مما شاهدناه، فإن التحدي الأكبر والأصعب هو المواجهة مع حزب الله ونصر الله الذي يتحدى إسرائيل في الفترة الأخيرة عن طريق زيادة المجازفة التي يمكن أن تؤدي إلى أيام قتالية، وربما أن تتدهور إلى حرب. ورغم أن كثيرين في الجيش الإسرائيلي يرون أن نصر الله لا يريد حرباً، فإنه من الواضح للجميع أن معقولية حدوث ذلك هي الأعلى منذ حرب لبنان الثانية، والتي تصادف هذه الأيام ذكراها الـ17».

لكن من ينظر للساحة الفلسطينية بنظرة ثاقبة يرى أن التهديد الأكبر يكمن فيها وهو أكبر وأخطر من حرب تنتهي بعد أيام وأسابيع، فما تشهده ينذر بنوع من حالة احتراب دائمة واستنزاف خطير نتيجة محاولات حكومة الاحتلال المدفوعة بأوساط صهيونية غيبية متدينة وغيبية وفاشية حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني بدلا من إدارته طمعا بكل الضفة الغربية، بكل فلسطين من بحرها إلى نهرها رغم تحذيرات بعض العقلاء في إسرائيل من أن هذه اللقمة ليست سائغة وأكبر من أن تهضمها المعدة الإسرائيلية المتوحشة بل ستسبب حالة اختناق للفكرة الصهيونية.

استراتيجية كسر الإرادة وانتزاع الحلم

شنت إسرائيل هذه الحملة الجديدة على مخيم جنين وتستعد لحملة مماثلة فيه أو في نابلس لكسر فكرة المقاومة والمضي في استراتيجية «جز العشب» الفلسطيني الأخضر أي ضرب المقاومة في مهدها قبل أن تنمو وتكبر وتزداد تحديا للاحتلال على مبدأ الجز المتكرر والقضم تباعا حتى تبقى المقاومة الفلسطينية غير مجدية ومحدودة. كما بحثت المؤسسة الإسرائيلية وما زالت عن الانتقام من مخيم جنين واستعادة هيبتها بعدما نجح بمباغتتها قبل أسبوعين ومن ثم نجح بإفشال الحملة الثانية وهي أكبر وأشرس في الأسبوع الفائت. وربما تكون هناك دوافع سياسية لدى نتنياهو بحثا عن تحسين شعبيته وصرف الأنظار عن الاحتجاجات الداخلية المتصاعدة في إسرائيل. فالجيش كان يفضل حملات مداهمة على شكل غارات متتالية لكنه أرادها حملة مطنطنة لحصد مكاسب سياسية وهذا انعكس في خطاباته المتعجرفة والمهددة بالعودة. وهذا بالمناسبة ما أشارت له صحيفة «هآرتس» في واحدة من افتتاحياتها حيث اتهمت حكومة الاحتلال برئاسة نتنياهو بخلط الأوراق طمعا بتحسين شعببتها وكسب نقاط سياسية تزامنا مع تجدد الاحتجاحات ضدها على خلفية الشروع في تشريع قوانين تعتبرها المعارضة انقلابا على النظام السياسي. وتؤكد «هآرتس» أن المؤسسة الأمنية كانت ترغب بان تواصل حملات المداهمات والاعتقالات تباعا لكن الحكومة رغبت بحملة واسعة دفعة واحدة لاعتبارات سياسية داخلية.
وفي المناسبة هناك جهات إسرائيلية تتحفظ من مزاعم تفيد بأن جيش الاحتلال تحفظ من الحملة الواسعة على جنين. فيقول المحلل الإسرائيلي ياغيل ليفي في «هآرتس» ذاتها إن النغمة البارزة في الكتابات في «هآرتس» خلال الأيام الأخيرة تركز على النظر إلى الحملة في جنين على أنها فُرضت من جانب المستوى السياسي الذي يعمل حسب ضغوط اليمين المتطرّف. وعن ذلك يضيف «كان عنوان الافتتاحية في (هآرتس) (4/7) (التطرف السياسي البربري يفعّل قوات الجيش) ومن دون التقليل من قوّة هذه الضغوط، إلاّ إنها لا تعكس الصورة الكاملة. تتماشى الحملة في جنين مع رؤية رئيس هيئة الأركان هرتسي هليفي، ففي خطابه الذي ألقاه في مؤتمر هرتزليا خلال الشهر الماضي، أدلى بملاحظة لم تحصل على اهتمام كبير؛ إذ قال إن أحد أسباب تصاعد الإرهاب في الضفة هو جيل شاب في الضفة الغربية لم يشهد حملة (السور الواقي) ولديه اعتقاد خاطئ بأنه، عن طريق قوّة الإرهاب، سيحقّق إنجازاً كبيراً».
ويستذكر أنه حسب تفسير أريك بربينغ، الذي كان المسؤول عن منطقة القدس والضفة في «الشاباك» فإن «انتفاضة الأفراد» سنة 2015-2016 في الضفة اندلعت بسبب واقع الاحتلال الذي أثارته حملة «السور الواقي» في أواسط الجيل الشاب إلاّ إن رئيس هيئة الأركان يقترح تفسيراً مختلفاً مفاده عدم وجود الردع. ويتابع ليفي بالقول:
«ويستبدل هليفي التحليل الحسّاس نسبياً، الصادر عن القدامى في الشاباك برؤية عسكرية تقليدية من مدرسة وزير الأمن الأسبق موشيه يعالون التي تنُص على كي وعي الفلسطينيين عن طريق القوّة والحديد والنار». وخلال الخطاب الذي لم تكن فيه إشارة إلى حدود القوة، طرح قائد جيش الاحتلال مكونات بناء القوّة الخاصة بالجيش؛ معرفة ودقّة وقوّة. وأضاف أنه «في ساحة المعركة، يوجد أيضاً المكون النفسي؛ فيجب على العدو أن يشعر بأن ما تقوم به من الصعب تحمله، ويجب أن يتم التعبير عن ذلك بالقوة. وفعلاً، عكست الحملة في جنين أسلوب قائد الجيش؛ تفعيل قوة تجعل الجيل الفلسطيني الشاب يشعر مرة أُخرى بأثر (السور الواقي). ولم يكن اعتباطاً أن البعد النفسي سيطر في الحملة، وتم التعبير عنه في الضربة الافتتاحية، وذلك عبر ضربة جوية دقيقة ومحددة قامت بها طائرة من دون طيّار». ويخلص هليفي للقول إن الحملة لم تكُن تتماشى فقط مع رؤية الجيش، بل أيضاً قطف الجيش ثمارها؛ فقد سمحت له بأن يعرض قدراته العسكرية ولم يكن اعتباطاً أن سمح الجيش بتغطية واسعة لمنظومة السيطرة على الحملة، التي وُصفت بأنها إحدى الحملات الأكثر تكنولوجية في الضفة، بالتعاون الوطيد مع الاستخبارات، ومن يفعّلون القوة الجوية والقوات البرية التي كان أغلبها مزوّداً بجهاز «تابلت» صغير. هذا بالإضافة إلى أن الحملة كانت أول دخول إلى خط النار بهذا الحجم لكتيبة الكوماندوس التابعة لسلاح البر، والتي أقيمت سنة 2015 وأراد الجيش أن يتم التعامل معها على أنها قوة نُخبة.

إغواء التكنولوجيا ورغبة الجيش بالحملة

ويرى ليفي أيضا أنه حتى من دون الانجراف إلى نظريات المؤامرة بصورة خاصة، فإن تطوير القدرات العسكرية يشجّع على استعمالها، فكما ادّعى سابقاً زئيف ماعوز، أحد أكبر الباحثين في العلاقات الدولية في العالم، فالجيش يتأثر بـ«الإغراء التكنولوجي» الذي يدفعه إلى استعمال تكنولوجيا متطورة ضد الفلسطينيين، بمعزل عن المنطق السياسي. ويرى أيضا أن حملة «البيت والحديقة» منحت الجيش فُرصة للتدرّب التكتيكي الجدّي الأول والواسع والعلني على التنسيق بين أذرع الاستخبارات والجو والبر بصورة ليست ممكنة في غزّة، ومن المؤكد في لبنان.
وفي هذا المضمار يقول ليفي إن الموارد التي تسمح بذلك تبرّر الزيادة في ميزانية الأمن. هذه فرصة لعرض القدرات التكنولوجية التي تستند عليها الوعود غير الرسمية التي قدّمها الجيش إلى السياسيين بهدف حفظ «الوضع القائم» وبصيغة أُخرى – سيطرة إسرائيل على الضفة ومنع ترتيبات إقليمية، من دون الحاجة إلى حل سياسي – يوجد حل الصراع العربي- الإسرائيلي وهو حل عسكري. ربما يكون الجيش قد استجاب لضغوط سياسية لمهاجمة جنين، لكنه بالتأكيد لم يعانِ جرّاء ذلك.

هوة بين المستويين السياسي والعسكري

في المقابل يؤكد محلل «هآرتس» العسكري عاموس هارئيل وجود هوة بين الحملة التي يسوقها المستوى السياسي ويبالغ في قوتها وجدواها وبين حقيقة الحملة على أرض الواقع كما يريدها جيش الاحتلال. ويشدد هارئيل أن الحملة على جنين لن تغير الواقع مثلما لم تغير الواقع الحرب الأخيرة على غزة. وينضم له مستشاران سابقان للأمن القومي الجنرال في الاحتياط غيورا ايلاند ومئير بن شبات وهما ينبهان إلى محدودية جدوى مثل الحملة وخطورة استمرارها من ناحية أمن الجنود المشاركين فيها. كما تبعهما عدد من المعلقين الإسرائيليين ممن يحذرون من استمرار فقدان الأفق السياسي ومن انهيار السلطة الفلسطينية. في المقابل تشارك أوساط من الصحافة العبرية في شيطنة مخيم جنين وتضخيم قدراته العسكرية لاعبة دور البوق الدعائي.

تدمير وتهجير

بالتزامن مع مشاهد التدمير والتهجير تواصل إسرائيل الرسمية معركتها على الرواية أمام العالم وأمام الفلسطينيين والإسرائيليين زاعمة انها خرجت وستخرج «مضطرة» للدفاع عن نفسها وسط استخدام مفرط لهدية مجانية عبارة عن صور الصاروخ البدائي الذي اطلق من جهة مخيم جنين نحو بلدة إسرائيلية قبل نحو أسبوعين وتفجر في الجو.
وتصعد إسرائيل معركتها أيضا باستخدام القوة المفرطة واستنساخ الترويع بعمليات تدمير مخيم جنين خلال حملة السور الواقي ومن خلال حشد قوات وجرافات عملاقة وعدم التورع عن غارات جوية على أهداف داخل مخيم مزدحم جدا لا تتعدى مساحته كيلومتر ونصف الكيلو متر مربع وهي بذلك ترسل رسالة مبطنة لنابلس وطول كرم وأريحا وغيرها وهي تلوّح بأطول بنادقها. في الواقع تهدف هذه القوة الوحشية لمحاولة كي وعي الفلسطينيين بالحديد والنار طمعا باستكانتهم لمشاريع التهويد والضم والحسم النهائي للصراع بدلا من إدارته وسط استغلال للصمت العالمي والعجز العربي والانقسام الفلسطيني. معركة الوعي ليست جديدة، فطالما كرست إسرائيل الكثير من الطاقات لها وأحيانا اجتهد الكثير للفوز بصورة انتصار عوضا عن تراجع الأداء على الأرض وعدم تحقيق انتصار عسكري واضح على غرار مكسبها في 1967. وهذا نتيجة عدة عوامل منها وربما أهمها ازدياد الحساسية تجاه الخسائر البشرية والخوف من قتل الجنود.
ووصف هذه النظرية وزير الأمن الأسبق موشيه ياعلون في كتاب مذكراته «طريق طويل طريق قصير» حينما قال إن ما لا يتأتى بالقوة يتأتى بالمزيد منها. لكن ياعلون عاد في السنوات الأخيرة هو الآخر للدعوة وللبحث عن حل سياسي للصراع الذي يتجه أكثر فأكثر ليكون دينيا أيضا وبلقانيا (على غرار الحروب الأهلية الدموية في منطقة البلقان تاريخيا) بمعنى اختلاط ملايين الفلسطينيين بملايين اليهود داخل بقعة صغيرة يؤدي بالضرورة لحالة احتراب ودائرة دم مفرغة أكثر مما هو حاصل اليوم.
كما يتنبه العقلاء وهم قلائل في إسرائيل بأن الزمن الذي عمل ذات مرة لصالح إسرائيل (لتطبيع وجودها ودفع العرب للتسليم بوجودها) لم يعد لها بل صار عليها نتيجة بقاء عدد كبير من الفلسطينيين داخل وطنهم رغم مشاريع التهجير بأنواعه، وفي ظل التورط السريع نحو واقع ثنائي القومية الذي يهدد بإنهاء المشروع الصهيوني من ناحية توقف إسرائيل عن كونها يهودية وديمقراطية. حتى الآن تبقى عمليات التكافل الفلسطيني مع مخيم جنين تدور في الناحية المعنوية والإغاثية ربما لكنه أقل من المستحق ومع ذلك يبقى وجود ملايين الفلسطينيين فوق ترابهم مكسبا استراتيجيا لا يمكن للاحتلال الذي ستبقى مقاومتهم له قائمة في معركة كر وفر طالما استمر هذا الاحتلال الاستيطاني وحتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وإن بدت صورة مشاهد الدمار في المخيم الصغير بمساحته والكبير بهمة أهله قاتمة في مخيم جنين الذي يقاتل نيابة عن الشعب الفلسطيني ويسّدد أثمانا باهظة وبكبرياء نادر، لكن هذه جولة في سجال طويل وفي صراع تاريخي يتجه للمربع الأول، للعام 1948 كما يرمز مخيم جنين نفسه المسكون بلاجئين من 55 بلدة فلسطينية مهجرة أو قائمة في الروحة ومرج بن عامر والكرمل كالمزار وزرعين وعين حوض وحيفا والناصرة وأم الفحم وشفاعمرو وصبارين والسنديانة وقنير وغيرها. الغلبة لمن يصبر ويحمل أكثر في لعبة عض الأصابع التاريخية الموجعة هذه، وفي هذه الدوامة الحمراء التي حاول الرئيس محمود عباس المسالم والمعتدل إخراج الطرفين منها لكن «رضينا بالبين والبين ما رضي فينا» كما قال هو عدة مرات. حتى لو تنازل عباس عن حقه بالعودة لصفد، فحركة التاريخ تدفع إلى هناك، إلى البدايات إلى منابع المواجهة مع المشروع الصهيوني الذي تحايل على الفلسطينيين واستغل غفلتهم لكنه لم ينجز كامل مهمته إذ قطع الشجرة الفلسطينية بالتدمير والتهجير وترك غصنا صار شجرة من جديد لم يعد بمقدوره اقتلاعها، والصراع بينها وبين من يتطلع لاقتلاعها بات أكثر صعوبة على المهاجرين المسستعمرين الذين راهنوا على التطبيع المجاني وعلى انشغال العالم بمشاكله وعلى انقسام الفلسطينيين من أجل حسم الصراع. لكن مخيم جنين قال إن هذا وهم، فهناك سبعة ملايين ونصف المليون فلسطيني بين البحر والنهر ومثلهم تقريبا من اليهود ومحاولة استعباد الطرف الأول الثاني يدفع نحو انفجار طنجرة الضغط، والنبتة الأصلية تبقى أكثر قدرة على التحمل وعلى البقاء من نباتات باتت تعيش على الري فقط.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية