القاهرة ــ «القدس العربي»: كان الرجل بصوته الرصين وملامحه الهادئة والجادة في الوقت نفسه، وبعض من الأداء المسرحي يوحي بالكثير من الثقة لمشاهديه، خاصة وهو يطرح رؤية مغايرة لما كان سائدا في الإعلام وقتها. ورغم تباين مواقفه بعد ذلك وانقلابها تماماً، إلا أنه حظي بشعبية كبيرة بين المصريين.
رحل الصحافي والإعلامي حمدي قنديل (1936 ــ 2018)، تاركاً العديد من البرامج الشهيرة في وعي المشاهدين، على رأسها برنامج «رئيس التحرير» و»قلم رصاص»، وقد دفع ثمناً كبيراً لمواقفه خلال برامجه هذه، بخلاف برنامج أقدم، كان بعنوان «أقوال الصحف»، إضافة إلى إصداره مذكراته المعنونة بـ»عشت مرتين». هذه لمحة سريعة عن الرجل وما قدمه للصحافة والإعلام المصري والعربي.
النشأة والبدايات
ولد حمدي قنديل لأسرة من الفئة المتوسطة، في قرية كفر عليم في محافظة المنوفية عام 1936. وبدأ العمل الصحافي وهو لم يزل طالباً، جاءت هذه البداية من خلال مجلة «آخر ساعة»، ويقول في مذكراته: «كان أبي يسمح لي، بل يطلب مني أحيانا، قراءة جريدة «المصري»، وكانت هي الجريدة الوحيدة التي يشتريها كل يوم، قرأت جريدة «الاشتراكية» في بيت صديق كان والده يشتريها بانتظام، فأصبحت أبحث عنها أنا الآخر بين الحين والحين، وأظنها أثرت كثيرا في توجيه ميولي، بل استفزتني إلى أبعد حد عندما قرأت فيها مقال أحمد حسين الشهير رعاياك يا مولاي».
العمل الإعلامي
بدأ قنديل العمل في التلفزيون المصري، من خلال برنامج «أقوال الصحف»، وهو من البرامج الأولى من هذا النوع، وكانت تتناول الصحف الصادرة وتحليل أخبارها. ثم تطورت هذه البرامج لتصبح ذات حس سياسي واضح، كما في برنامجي «رئيس التحرير» و»قلم رصاص»، اللذين تم إيقافهما من قبل نظام مبارك، لأنه كان يتبنى وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر الدولة، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والعلاقة مع إسرائيل. بغض النظر إن كان هذا البرنامج من خلال قناة مصرية أو إماراتية أو ليبية، إذ كانت هناك دوماً حالة الاصطدام بالنظام وسياساته.
كان قنديل من أشد مؤيدي ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، التي في أعقابها انضم إلى (الجمعية الوطنية للتغيير)، وكان متحدثاً رسمياً لها.
ثورة يناير والانقلاب غير وارد
كان قنديل من أشد مؤيدي ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، التي في أعقابها انضم إلى (الجمعية الوطنية للتغيير)، وكان متحدثاً رسمياً لها. يقول قنديل في مذكراته: «في أحد أيام مارس/ آذار 2011، تلقيت مكالمة من مكتب اللواء عبد الفتاح السيسي عضو المجلس العسكري ومدير المخابرات الحربية حددوا لي موعدا لمقابلته. يومها عبرت الشارع إلى مبنى المخابرات المواجه لبيتي، فوجدته في انتظاري أعلى السلم المؤدي لمكتبه، كانت هذه أول مرة ألتقي فيها واحدا من أعضاء المجلس، الذي كنا نعتبره حينئذ حامي الثورة، وكان انطباعي الأول عندما رأيت الرجل أنه متواضع، دمث الخلق، خفيض الصوت. استغرق لقاؤنا نحو ثلاث ساعات، دار فيها الحديث حول المجلس العسكري واستيائه قبل الثورة من الأوضاع التى كانت قائمة، ومما كان يدور من حديث حول التوريث، وقال إنه على الرغم من ذلك كله لم يفكر المجلس لحظة في الانقلاب على الحكم «لأن الانقلاب غير وارد في عقيدة القوات المسلحة»، وأخذ يذكرني بأنه عندما حانت الفرصة بادر الجيش إلى إعلان موقفه عن طريق المتحدث باسمه عندما قال في 31 يناير/كانون الثاني إن «القوات المسلحة لن تستخدم القوة ضد المحتجين، وإن حرية التعبير مكفولة لكل المواطنين الذين يستخدمون الوسائل السلمية»، وبما اتخذته القوات المسلحة من إجراءات بعد ذلك. كان حديث الرجل يوحي بأنه يمسك من الخيوط قدرا أكبر مما كنت أظن، وبأنه يستطيع ترتيب أفكاره جيدا.
وجاء حكم الإخوان وما تلاه من اضطرابات طالت الجميع، فيقول: جاءت نكبتي في مرسي وعهوده، التي انتهت بأنني أعلنت لمن وثق بي يوم إعلان (فيرمونت) اعتذاري عن مساندة الرئيس، جاء هذا الاعتذار بعد أربعة أشهر تماما، نالني خلالها ما نالني من أذى من كل جانب، من أنصار شفيق، ومن أنصار الإخوان. أما أنصار الثورة فكانوا عاتبين عليَّ أشد العتب، إذ كيف أذهب إلى الإخوان على الرغم من درايتى بأساليبهم؟ وكان هناك أيضا المغرضون الذين صمموا على أنني أنا الذى دعوتهم لانتخاب مرسي قبل جولة الانتخابات الرئاسية، واستمر هذا الأذى يلاحقني حتى الآن.
عن 30 يونيو
ويرى قنديل في حملة تمرد ــ الممولة من المخابرات بالأساس ــ أنها فكرة جميلة تذكرنا بحركة كفاية منذ أكثر من 10 سنوات، التي تجمّع الناس بشكل تلقائي حولها لإسقاط نظام مبارك، لافتا إلى أن الشعب فاض به الكيل من الحكم الاستبدادي للإخوان المسلمين. فالتاريخ يكرر نفسه وسيكون يوم 30 يونيو/حزيران ثورة أكبر من 25 يناير.
الصمت
ولكن بعدما حدث الانقلاب، وتفاقمت الأوضاع أكثر، واستتب الأمر للحاكم العسكري، آثر قنديل الصمت، فلا حديث ولا عبارات عن تقييد الحريات، والاختفاء القسري، ومصادرة الصحف وإغلاق القنوات الفضائية. آثر الرجل الصمت وله كامل الحرية في مواقفه، ولعل الندوة التي أقامها في الجزائر قبل أعوام، تسويقاً لمذكراته، كانت خير شاهد على رد فعل الجماهير التي تعلقت به زمناً.