مصطفى غلمانهذه المرة لن أجرد نفسي من الانتماء لقبيلة الإعلام تحديدا، فأنا رهينتها كمطلب حيوي للعيش. أما الشعر فحصري على أناي الشريدة به وله.
كنت معزولا عن العالم بفضل الأمل في أن يكون وطني مفتوحا على الحرية، موصولا بالقرابة الكونية لهذا الفعل الإنساني الصرف. لكنني بدأت أفكر حقيقة في ممارسة لعب التقية، من أن أصيخ إلى التنكر في لباس النقد لمجرد النقد. هناك قطيعة ملحة بين الشلل الذي راكمه التجريب الإعلامي ببلادنا ومثارات التشبث بسنام يدعي الاصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فالقطيعة تختفي حينما يتجمهر فيها وعاء السؤال، حول متاهة الميل الذي أصاب صحافتنا في مقتل، فلم نعد نتدبر السؤال كداع استراتيجي وكينوني، بقدر ما نتخلص من التدبير في البالوعة التي تحصرمها مصاعب البتر ووسواس التحذير، إذ يكبر الخوف فينا، كما الخطر المحدق بديمقراطية لا تدار كما يجب، ولا يهم من يكون وراء إدارتها هكذا، عاقلة في بيت الطاعة أو مروضة في سرك يعمه الفوضى والعبث؟ سأكون اليوم متجردا من كل تآويل هذه الفرضيات المتهاطلة، أذيق نفسي طعم الفداحة وأنا أتلقى خبر اعتقال الزميل رشيد نيني، بكل الإمعان الذي يقف على جرح الحقيقة، وبكل الحيف الذي طال الاعتقال الظالم، كأحد العلامات الدامية أو الحزينة في ذاكرتي المتشظية، والتي فضلت دائما عدم البوح بمكنوناتها وبما طمرته سنوات الرصاص فينا. فنحن اكتوينا بنيرانها أواخر الثمانينات من القرن الذي مضى، حيث صودرت آراؤنا وعذبنا وقهرنا في الظلمات الآفكة وسجنا سنوات، من دون أن ننتظر الجزاء من أحد. فالوطن يستحق أعظم من ذلك.
لا أتذكر هنا سوى ذلك القاضي الذي جر الفيلسوف سقراط الحكيم إلى مقصلة الموت بصكوك قال عنها أتباعه وتلامذته المخلصون بعد أن تبرأوا من عدالة وصفوها بالظلم والاستعباد: ‘تريدون تصفية الحساب، لكن التهم الثقيلة ملفقة، وقانون الرب يدعوكم إلى منحه فرصة الدفاع عن نفسه، كما يجب إخراجه فورا من دائرة الاتهام..’. وهو نفسه ما تجتمع عليه أصوات المدافعين عن حرية رشيد نيني. إنها العدالة التي تقتضي الانتماء إلى القيم الحضارية التي تجعل من المساواة والانصاف حقا من الحقوق الواجبة والمشروعة للإنسان. الضمانة الوحيدة التي ينتمي إليها نيني هي حضوره اللافت والمزعج للكثير من الظلاميين. دعوه يتكلم. دعوه يكتب. دعوه يصرخ بأعلى صوته. دعوه ينتفض. هو حر في أن يختار طريقه. لاغرو أن الاختلاف معه سيؤسس دينامية للحوار ولاستعادة أدوار الصحافة، كما قدر لها، من أن تكون حجابا فاصلا بين الحق والباطل، بين الحقيقة والسراب.’ كاتب وإعلامي من المغرب