عن رواية ‘المتوسط المستحيل’: وحدة بلدان البحر الأبيض المتوسط: حلم لا يتحقّق!

حجم الخط
0

باريس ـ من الطيب ولد العروسي: صدرت في باريس رواية تحت عنوان ‘المتوسط المستحيل’؟: Impoible M’diterran’e : للكاتبتين الفرنسية يانيك زناكي والمغربية ربيعة التازي Rabia Tazi et Annick Zennaki عن منشورات عرفان- فرنسا، Gn’sis- Editions de France) التي يشرف عليها الأستاذ يحيى الشيخ، تقع في 224 صفحة من الحجم المتوسط، مع مقدمة طريفة’وموضوعية للمستشرق الفرنسي بيير لا فرانس، سفير فرنسي سابق في كثير من الدول الإسلامية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن المتوسط لا تعني بلدا بعينه كما هو الشأن بالنسبة لرواية ‘الشرق المتوسط> لعبد الرحمن منيف، بل تعني بشكل خاص ‘العلاقة’ بين الجزائر وفرنسا، لذلك فقد أرفقت الكاتبتان العنوان الأصلي بآخر فرعي: ‘ رحلة مثقف جزائري في بداية القرن العشرين’. إذا كانت هذه العبارة كافية لتلخيص فحوى الكتاب في كونه سيرة ذاتية لواحد من أبرز ممثلي طبقة الأهالي الجزائريين في عصره، كالدكتور محمد بن أبي شنب وجون عمروش وغيرهما، فإنها لا تعكس مضمونه بشكل شامل، ذلك أن الفصول الأربعة في تشابكها التصاعدي تِؤرخ لفترة تاريخية بكاملها، لا تتعلق بفترة من فترات احتلال الجزائر فحسب، بل الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في فرنسا قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. أضف إلى ذلك الوصف الدقيق لمناطق الجنوب المغربي قبل اجتياح فرنسا لهذه الأرض وقبل إعلان سلطة الحماية، وذلك من خلال الرحلة الاستكشافية التي قام بها عبد العزيز الزناكي – بطل هذه الرواية التاريخية إلى بلاد سوس صحبة صانعي القرار الاستعماري في ذلك الحين. حيث عانى الأمرين لأنه كاد يفقد حياته بسبب غضب سكان الأطلس ومناطق مغربية أخرى، إذ اعتبروه عميلا للاستعمار وغضبوا مما كان يقوم به من بحوث استطلاعية صحبة الفرنسيين، بالإضافة إلا أنهم ظنوه مسيحيّا يتحرك ضد مصالح المغرب والمسلمين، فكونوا محكمة أرادوا من خلالها الحكم عليه بالإعدام، ولكنه نجا بأعجوبة.

إذا كانت هذه الرواية التاريخية تجربة إنسانية فريدة من نوعها في كونها جمعت بين مسيرة رجل ومصير أمة كُتب عليهما أن يتواجدا في تلك المرحلة العصيبة بالذات، فإنها تؤرخ أيضًا لوقفات جلّى لن ينساها التاريخ، كانت الكلمة الأخيرة فيها لأسمى المواقف الإنسانية في أحلك اللحظات التي يشتد فيها طغيان الإنسان: نعم، استطاع حب إجلنتين الفرنسية أن يمدّد عمر عبد العزيز ويعيد لحياته بعضا من نضارتها الباهتة. كيف كان ذلك؟

تعرف عبد العزيز على إجلنتين حينما كان أستاذا في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، وبالضبط خلال مناقشة إحدى الرسائل الجامعية، فأعجبت أيّما إعجاب بهذا الشاب الآتي حديثا من تلمسان بالغرب الجزائري، والذي أنهى تعليمه في المدرسة التي سمحت له بأن يكون مزدوج اللغتين بامتياز. فبعد أن حصل على الثانوية العامة والشهادات الجامعية العليا حل بباريس ليدرّس اللغة والأدب واللسانيات، باللغتين العربية والفرنسية، وبعد سنتين من التدريس طُلب منه أن يصاحب فريقا يبحث في مجال اللسانيات والأنتربولوجيا، فرحل إلى المغرب وقضى سنة ونصفًا جاب خلالها جبال الأطلس الكبير.

ثم عاد إلى باريس ومنها إلى الجزائر وتزوج وأنجب ابنتين، وعين قاضيا في منطقة فرندة، حيث ألّف العلامة بن خلدون مقدمته، وعمل هناك سنتين، ثم عاد إلى باريس وبقي يعيش بين الضفتين، لكنه لم يكن يطيق رؤية الاحتلال وهو ينهب خيرات البلاد، ويقمع أهلها، فانظم إلى حركة ‘الشباب الجزائري’ التي كانت تنادي بالمساواة وبإعطاء الحقوق للأهالي، وراح ينظم اجتماعات توعية، ويكتب شعرا وينشر مقالات ودراسات مما أزعج الفرنسيين الذين دبّروا له مكيدة عن طريق رئيس الأمن ببلدية تلمسان، الذي قرّر وبإيعاز من الحاكم الفرنسي إرساله كمسؤول على رأس الشباب الجزائريين المجندين للمشاركة في حرب 1914- 1918. لم يكن له مفر من ذلك، وهو الذي تعلّم ودرّس وكان عمره آنذاك 37 سنة، ولم يكن أمامه أي خيار آخر إلا الذهاب إلى القتال، ‘مكره أخاك لا بطل’، وعاش هذه التجربة مدة أربع سنوات، وكان الغرض من وراء إرساله هو الحكم عليه بالإعدام لا غير. وذات يوم كان في معركة وإذا بكل زملائه يموتون إلا هو، إذ وجد نفسه تحت أنقاض منزل مخرب قريب في مزرعة تحت رحمة طفل كان هو الآخر قد وجد نفس المصير، حيث بقي معه لمدة أشهر يأكلان ما توفر لهما ويعيشان عيشة بسيطة خالية من التكلّف، حتى جاء رجال الدرك الفرنسي فوجدوه حيّا فأعلموا المسؤولين في باريس، غير أن هؤلاء حكموا عليه بالإعدام، لأنه كان من المفروض أن يكون في تعداد الموتى، وأن تكون ضريبة نجاته تلك الحكم عليه بالإعدام، فأخذته الشرطة إلى باريس حيث سجن. قررت الإدارة أخذه إلى المحكمة، وأثناء السفر فرّ من القطار مرة أخرى بأعجوبة، وقصد صديقته أنجلتين التي تفاجأت برؤيته لأن الإدارة الفرنسية بنت تذكارا ‘لشهداء’ حربها في مدينة تلمسان، ووضعت اسمه على رأس القائمة. عالجته صديقته واتصلت بالمستشرق الفرنسي مارل برانش Marlebrancheالذي طلب لقاء مع صديقه وزير الحرب وشرح له ظروف عبد العزيز الزناكي، فعفا عنه بشرط أن يبقى تحت الحراسة وأن لا يقوم بأي عمل سياسي. بعد ذلك أرسلته صديقته إلى بيت في إحدى القرى الفرنسية، وحينما سمح له بحرية التنقل، عاد إلى تلمسان ليلتقي بأهله وأصدقائه الذين تفاجؤوا لرؤيته، ولكنه لم يعش طويلا إذ وافته المنية بعد كل المحن التي عاشها، إضافة إلى ما خلفته الظروف من آثار نفسية وأمراض جسدية نزعت منه الحياة فدفن في تلمسان.

تجدر الإشارة إلى أن الإدارة الفرنسية حينما أرسلته إلى الحرب، سلبت منه أغلب مخطوطاته ودمرت جل كتاباته. هكذا مر المثقف الجزايري عبد العزيز الزناكي صاحب المصير الغريب واللافت للانتباه بمراحل صعبة للغاية أتينا على ذكر بعضها، وهي أحداث واقعية وليست خيالية، والغريب في الأمر أن ذلك وقع في بلد ‘ كان يدعي الحرية وحقوق الإنسان، وكان يحسد على جرأة وروعة قوانينه’، في ‘بلد حرية التعبير منذ نهاية الحكم القديم’ كما تقول الكاتبتان، لكن غلطة المثقف عبد العزيز هو أنه كان جزائريا ودافع عن بلده، خاصة وأنه آمن بمقولة فولتير ‘أنا مواطن من العالم’، ولم يكن راضيا على ما يحدث فأعلن رفضه بشكل هادئ، أي راح يعبّر عن سخطه بواسطة القلم والكتابة وتوعية الناس، فلاقي بسبب ذلك عذابا كبيرا إلى أن وافته المنية حزنا وقهرا، ومع ذلك فقد ظل الاستعمار الفرنسي يعتبره بعد كل هذا الشقاء ‘خارجا عن القانون’، وهي التهمة التي قدّمت له بعد العثور عليه حيّا إذ لم يقتل في ذلك الكمين الذي دفع فيه معظم أصدقائه حياتهم. بعد أن عاشوا ظروفا ‘ لا إنسانية’. ولد الزناكي في تلمسان عام 1877، وتوفي بها عام 1932، درّس في مدرسة اللغات الشرقية وفي جامعة السوربون، وكان أول أستاذ معرب من أصول مغاربية، كما نشر العديد من الأبحاث والدراسات والأشعار في مجلات مختلفة من بينها الجريدة الآسيوية.

اختارت المؤلفتان عنوان ‘المتوسط المستحيل’، هذا المتوسط الذي يكثر حوله الكلام اليوم، فهل سيتحقّق هذا الحلم في يوم من الأيام؟ ثم، كيف يمكننا أن نرفع دعائم الحاضر على أنقاض الماضي الذي لم يدفن بعد؟ وكيف يبنى هذا المتوسط والجراح لا زالت لم تلتئم، وأن هناك مواقف غير عادلة ومتحيزة من قبل الغرب تجاه القضية المركزية فلسطين، وبعض الدول العربية والإسلامية؟ كيف يستطيع الغرب أن يتبرّأ من معاملاته الوحشية مثل التي قام بها مع المثقف الجزائري عبد العزيز الزناكي وغيره؟ هناك أسئلة كثيرة يطرحها هذا الكتاب الذي يتزامن إصداره مع الاحتفالات بالذكرى الخمسين (2012) لاستقلال الجزائر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية