زبرجد، الرجل الثلاثيني، يستطيع أن يقضي العقود المتبقيّة من حياته ماكثا في الفندق الذي يديره. كان قد خلّف أباه في تلك الوظيفة، وها هو، على رغم تهالك المبنى وقدمه، ما زال يستطيع أن يرفع تلك اللافتة على بوابة المدخل: «لا أمكنة شاغرة هنا» من أجل أن لا يدخل الزبائن ويتجشّموا عناء السؤال. الغرف قليلة على أي حال، وبعضها يحتوي ثلاثة أسرّة لا يمتّ النازلون فيها بصلة إلى بعضهم بعضا. هناك بالطبع غرف للأزواج، بسرير واحد أو بسريرين منفصلين. كما لا يرفض زبرجد إيواء من يأتون لقضاء الليلة مع عشيقاتهم، أو مع نساء التقوهن على الطريق من خمس دقائق، هذا إن كانت لديه غرف شاغرة.
الفندق الذي يقيم فيه ويديره زبرجد هو عالمه.. لا يحتاج إلى الخروج منه أبدا. مَن يقوم بشراء الحاجيات من الخارج هي الموظّفة الوحيدة لديه، تلك المقيمة في غرفة إلى جانب غرفته. وهي لا تقوم فقط بطهي طعامه وطعام من شاء من الزبائن، بل إنها تستقبله في غرفتها، كلما اشتدت حاجته، فيضطجع إلى جانبها ويعلوها في ما هي تظل نائمة غافية. كل ما يحتاجه يُلبَّى هنا في الفندق. الكشف اليومي بأسماء الزبائن يرسله كل يوم إلى دائرة الأمن مع الصبي الذي يأتيه بالجرائد الصباحية. ذاك أنه لم يعد قادرا على فهم الناس في الخارج، علما أن هؤلاء لا يختلفون عن زبائنه، بل إنهم هم أنفسهم أحيانا. لكن من لحظة ما يتسّلم أحدهم مفتاح إحدى الغرف، يصير مندرجا في الترتيب الذي أرساه زبرجد لتنظيم عمله. وهذا الأخير، لشدّة انغماسه في عمله، دائم السعي إلى معرفة هؤلاء واحدا واحدا، حتى أنه يقف متنصّتا وراء الأبواب. ذلك يشابه ما يفعله أستاذ المدرسة مع طلابه المحتملة مشاغبتهم.
حياة زبرجد تبدو مستمرة في رسوخها وتماثل أيامها، هو أيضا لم يصبه تغيّر منذ أن حلّ محل والده في إدارة هذا الفندق، كما لن يطاله أي تغيّر في المقبل من السنوات. لكن في ذات مساء جاءت سيدة ترتدي ثوبا أسود وقبّعة وقضت ليلة واحدة في الغرفة رقم 2. في الصباح غادرت، من دون أن تعد بالمجيء مرّة ثانية. لكن زبرجد، العارف بطباع من ينزلون في فندقه، بدأ انتظاره لها من لحظة خروجها، وهو لذلك أقفل الغرفة وتوقّف عن استقبال الزبائن فيها. في إحدى الليالي قرّر أن يكون هو نزيل تلك الغرفة، فتألّف من ذلك مشهد جنسي هوسي، ذاك الذي لا يناسب شخصية مغرقة في روتينيتها وانضباطيتها مثله.
ذلك الفندق الذي صمد لعقود كثيرة، بل لقرون، بدأت زيارة واحدة لتلك المرأة الغريبة بهدم أركانه. كان أول ذلك الانهيار خروج زبرجد إلى الشارع، متمشّيا أولا، ثم آكلا في أحد المطاعم القريبة، ثم مصادفا أحد الشبان الذي، رغم أن شيئا لم يحصل، أيقظ فيه رغبة لم يكن زبرجد يعرفها أو يشعر بها من قبل. من دون أسباب كافية، بل من دون أي سبب، انقضّ على خادمته النائمة، ضاربا رأسها بآلة نحاسية فقتلها، هكذا من دون أي مشاعر مصاحبة، لا في ما سبق القتل ولا في ما تلاه.
تختلف تحوّلات زبرجد عن شخصيات مماثلة له في روايات غربية كثيرة، هناك، في تلك الروايات، ارتسمت الشخصية المنطوية على ضآلة وجودها في عالمها الصغير.
أما هنا، مع زبرجد، فالتحولات تشذّ عن الخط المستقيم، ذاك الذي يبدو فيه الانهيار الشخصي أقرب إلى معادلة رياضية تسير فيها الأحداث على نحو منطقي ومفهوم. زبرجد يمر بلحظات من اللامبالاة ومن الجنون تدفع به إلى القتل، وإلى ترك جثة قتيلته في مكانها، كما تُستنهض فيه رغبات لم يكن قد أحسها من قبل، ومشاعر تجاه الماضي المرتبط بعوالم الطفولة، ومجابهات السياسة والحرائق التي غيّرت وجه المدينة، التي هي إزمير ربما.
وهو، لكون حياته مكتنفةً بطوابق الفندق وغرفه، يروح يرى انهياره متلازما مع انهيار الفندق. مبكّرا، وهو بعد في أول الجنون، يقرّر أن يقفل الفندق في وجه الزبائن ويقيم فيه بمفرده مع الخادمة التي ستصير بعد أيام قليلة، جثّةً.
يوسف أتيلغان، كاتب الرواية، شاء أن يروي في صفحات كتابه الأخيرة تاريخا عائليا، لكن ليس هو تاريخ عائلة بطله زبرجد، بل تاريخ عائلة أخرى هي مالكة الفندق. كثيرا ما نتساءل، ونحن نقرأ، تاريخ أي عائلة هو هذا، وهل يمكن أن يُحلّ زبرجد نفسه فردا في تاريخ عائلة هو ليس منها. على أي حال لا تتوقّف الرواية عن إرجاعنا صفحات إلى الوراء لنرى عن أي الشخصيات نقرأ، ظانين في كثير من الأحيان أن هناك شيئا فوّتناه، وأن الصفحات تضيّعنا. وكان ناقل الرواية إلى العربية، بكر صدقي، قد نبهنا في إحدى حواشيه أن الكاتب يُداخل بعضَ سرده ببعض، كأن يُحلّ المخاطَب بدل المتكلم من دون تهيئة قارئه لذلك، وهذا ما باشره جوزيه ساراماغو قيلا في إحدى رواياته. كما أن أتيلغان جعل الأزمنة متداخلة، حيث يقفز من الحاضر إلى الماضي من دون ذكر تلك الفواصل الضرورية. ربما كان هذا الدمج الأخير أقرب إلى أن يكون تلقائيا، حيث الحاضر يُثقله حضور التاريخ في بلد مثل تركيا.
رواية التركي يوسف أتيلغان «سيدة الفندق» صدرت بترجمة من بكر صدقي عن دار الساقي في 207 صفحات لسنة 2021.
كاتب لبناني