عن سقوط وسقطات الضحايا في العراق
د. عبدالوهاب الأفنديعن سقوط وسقطات الضحايا في العراق(1) في منتصف الثمانينات سمعت لأول مرة من مفكر وكاتب عربي معروف عن التسجيل الذي اشتهر فيما بعد لاجتماع حزب البعث الذي سمي فيه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين من وصفهم بالخونة من رفاقه في حزب البعث ممن تم أخذهم إلي مصير معروف مجهول أمام أعين بقية رفاقهم الذين كانوا يموتون رعباً. ولم يكن الراوي متهماً عندي، خاصة وأنه أخبرني أنه شاهد الشريط بأم عينه في مكتب أحد المسؤولين الخليجيين، ولكنني كنت في حيرة أمام ذلك الجانب من الرواية الذي أكد أن الرئيس العراقي قام بنفسه بإرسال التسجيل إلي الحكومات الصديقة كبرهان علي وجود المؤامرة المزعومة، وحجة تدعم موقفه وتبرر تصرفاته.(2) نفس المنطق كان علي ما يبدو وراء قيام الحكومة العراقية الحالية بتسجيل وبث مشاهد إعدام صدام. فالذين اتخذوا قرار الإعدام وحددوا طريقته وتوقيته كانوا مثل رئيسهم السابق، في غاية الإقتناع بسلامة موقفهم الأخلاقي والقانوني، ولم يساورهم أدني شك في هذه الناحية. ومثل صدام من قبل، أبدوا غاية الاستغراب للاستهجان العالمي شبه الإجماعي لما قاموا به، وتعجبوا كيف أن بقية الخلق لم يفهموا منطقهم الواضح الأبلج.(3) تابعت بكثير من الاهتمام ما تفضل به المسؤولون العراقيون وأنصارهم من ردود علي الانطباع السلبي الذي ولده ما اشتمل عليه الحدث من وحشية وتعجل وارتباك واستخفاف بالحرمات والمقدسات، فكان العذر في معظم الأحيان أقبح من الذنب. أحد العراقيين المصنفين في خانة القلة المستنيرة برر ما يشهده العراق اليوم من همجية ليس الإعدام المتعجل في صباح العيد أبرز تجلياتها بالاحتجاج بأن بقية العرب لم يتفهموا معاناة ضحايا صدام، بينما كان آخر لا يتهم بالاستنارة أكثر صراحة حين رحب ببروز فرق القتل والتطرف الطائفي الذي ولدها بأنه رد الفعل المناسب للتطرف المضاد. (4) من يبررون لما نراه في العراق اليوم من همجية تخجلنا جميعاً يريدون أن يقولوا: تفهموا تحولنا لوحوش لأننا عانينا في السابق. ولكن ماضي وعذر المجرم الذي تحول إلي وحش ليس من اختصاص القانون، بل هو من اختصاص المحللين النفسيين. وحين يتحول البعض بأفعالهم وأقوالهم إلي آلة علاقات عامة تبيض وجه النظام السابق، فإن الاحتجاج بجرائم ذلك النظام يفقد أي مغزي.(5) من المؤسف أن سقطات ضحايا صدام السابقين قد أدت إلي ردة فعل مضادة تطرفت في تمجيد العهد الصدامي الذي للأسف أخذ يبدو مشرقاً بالقياس إلي بؤس الحاضر. ولكن تمجيد صدام وعهده الذي كان أكبر كارثة حلت علي العراق والعرب منذ عهد هولاكو هو في حد ذاته انعكاس للحالة المرضية التي يعيشها العرب اليوم. إن أمة يتجادل مفكروها حول المفاضلة بين المجرم الذي يدعي الوطنية وذلك الذي لا يتهم بها هي أمة في حاجة إلي مراجعة جادة للنفس والحال. (6) الأمة العربية (والأمة الإسلامية الأوسع) تواجه اليوم خطراً لم يسبق له مثيل في تاريخها وتهديد بانقسام طائفي هو الأخطر من نوعه منذ موقعة كربلاء. الإنقسام العربي ليس جديداً، ولكن يجب أن نتذكر أن الحرب الباردة العربية التي قامت في الستينات بين الراديكاليين والتقليديين كانت خلافاً حول الوسائل لتحقيق أهداف متفق عليها، مثل مواجهة إسرائيل والاستقلال الوطني والتضامن العربي. ولكن الأمر تغير منذ اتفاقيات كامب دايفيد عام 1978، ثم غزو الكويت عام 1990، حيث أصبحنا نري لأول مرة من يفضل العدو الصهيوني علي أخيه العربي، ومن يري المحتل الغاصب أقرب إليه رحماً من أخيه في العقيدة والوطن. (7) كل العرب والمسلمين هم اليوم أمام مسؤولية تاريخية لتجنب الكارثة التي قد تؤدي إلي قرون أخري من الاحتراب، ولكن هناك مسؤولية تاريخية أمام القيادات الشيعية في العراق التي بيدها أكثر من غيرها خيار التراجع عن الاستقطاب الطائفي. الوجود الشيعي هو اليوم أمام لحظة تاريخية بعد أن أصبح للشيعة لأول مرة منذ قرون وجود سياسي فاعل في ساحات عدة. ومواقف القيادات الشيعية في العراق قد تكون حاسمة لتحديد مستقبل التعايش، بخلاف المواقف التي دعمت ذلك التعايش في إيران ولبنان والبحرين وأماكن أخري.(8) الخطر الأكبر علي الجميع يأتي من الانغلاق الطائفي، وأسلوب العمل الطائفي الذي تتفوق فيه القيادات المتخلفة والأكثر انغلاقاً علي القيادات المنفتحة بسبب التنافس علي دعم الطائفة. والدكتاتورية والحروب المدمرة لا تأتي من مثل هذه العقليات المنغلقة علي ذاتها التي تعجز كما رأينا عن تفهم وقع تصرفاتها وأبعاد مواقفها. فحين يرتكب البعض الكبائر ثم يستغرب عدم تفهم الآخرين لموقفه فنحن أمام حالة فريدة من العمي والصمم الأخلاقيين.(9) من أكثر الآيات القرآنية التي تثير الرعب عندي هي تلك الآية في وصف حالة المنافقين في سورة المجادلة التي يقول نصها: يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم علي شيء، ألا إنهم هم الكاذبون . فإن أسوأ حالة هي تلك التي يصل فيها إقتناع الشخص بباطله درجة أنه لا يتزحزح عن ذلك الاقتناع حتي وهو يقف بين يدي الله وسبحانه تعالي يوم القيامة! ولا شك أن الشخص لا يصل مثل هذا الحد من خداع النفس إلا إذا أصم أذنيه تماماً عن النقد والرؤية المخالفة التي تصحح رؤيته. وما نبرئ أنفسنا الأمارة بالسوء، ولكن حين يتخذ البعض موقفاً يثير استهجان العالمين، وحين يجد نفسه في معسكر أولمرت وزمرته، وحين نري من يتسمون باسم الثورة الإسلامية يهرعون إلي بلاط بوش متوسلين مزيداً من العنف ضد إخوانهم في الوطن، فإن هذه قد تكون مناسبة لمراجعة الذات قبل موقف الحلف الكاذب أمام علام السرائر.9