يبدأ توماس برنهارد كتابه، أو روايته، من لحظة استفاقته من تخدير استمر ساعات «وضعني تحت سطوته الأطباء، الذين فتحوا رقبتي لاستخراج ورم في حجم قبضة اليد من قفصي الصدري». كان قابعا في المشفى المخصص للمصابين بأمراض الرئة، مقاسما حيز إقامته مع آخرين، منتظرين أن يضع المرض حدا لحياتهم. «تل حديقة الأشجار» هو اسم المشفى، الصغير قياسا إلى المشفى الآخر القريب «الفناء الحجري»، المخصص لإيواء المرضى العقليين. هناك، على ذلك القرب بين المكانين اللذين لا تفصل بينهما إلا مسافة قليلة، كان يمكث صديقه باول معانيا من أعراض الجنون. لكن تلك المسافة التي لا يحتاج قطعها إلى خطوات، كانت أرضا مقفلة وحاجزة بين المحكومين بالجنون وأولئك المحكومين بالموت. رغم ذلك أمكن للصديقين العليلين أن يلتقيا، ولو لمرّة واحدة، في منتصف الطريق، ويجلسا على مقعد أقيم كأن ليعيّن الحدود الفاصلة بين المشفيين.
الكتاب نصّ سردي مسترسل يجري على لسان توماس برنهارد من دون وقفات أو استراحات. لا فصول ولا عناوين فرعية تفصل بين الصفحات، بل لا مقاطع تنتهي لتبدأ من بعدها مقاطع تتلوها. كأننا إزاء جملة واحدة اجتمع فيها كل ما بين الصديقين، في إطار تأملّي يتسع لكل ما يكرهه الكاتب في زمنه وفي بلده. ولنضف إلى ذلك نظرته المخالفة لكل ما هو طبيعي ومنطقي. في مشفاه مثلا نقرأ له، هو كاتب سيرته، مديحا تعظيميا يزجيه للطبيب البروفيسور زالستر، الذي بتفوقه، ألقى كل الأطباء الآخرين إلى الظل.. فكان هذا الطبيب يأتي بالمعجزات، حيث شفى مرضى كان مصيرهم الموت المحتوم. لكن، رغم ذلك، وربما بسبب ذلك: «لم أسمح للبروفيسور زالستر بأن يجري لي العملية، لأن شخصيته كانت تأسرني أسرا، ولأن شهرته العالمية لم تزرع في قلبي إلا الخوف الذي لا شفاء منه».
هكذا ترك برنهارد لقارئه أن يذهب إلى أبعد في التوجس والخوف من تسليم الكاتب أمره للعبقرية، كأن يجعله يفكّر مثلا أن هناك بذرة مريضة تكمن دائما في كل ما هو متفوّق أو كامل، وأن هناك سقطة قاتلة له، ولو حتى لمرة واحدة، محتملة بل مؤكدة. وهذا ما حمل برنهارد على «اختيار رئيس الأطباء الممل، المتحدّر من الريف النمساوي، كي يجري لي العملية»، مع أنه، وهو بذلك المزاج المضطرب الغريب، ينصح المرضى، بعد أن تُجرى لهم الجراحات، بالتريث في الإقبال على الحياة.
كان الشفاء قد أتاح لبرتهارد أن يعيش سنوات أخرى تلت رحيل صديقه باول في أحد مصحات مدينة لنتس، وليس في «الفناء الحجري»، «وطنه الحقيقي».
في البداية على المريض، كما يقول، أن يكتفي بأن يسير بضع خطوات، أربعا أو خمسا، ثم عشرا ، ثم ثلاث عشرة..إلخ. لكن المريض، البادئ الشعور بعافيته، ربما لن يستطيع الصبر على الخروج، ولذلك هو «يخرج إلى الهواء الطلق… وينتحر».
الكتاب، في ثيمته الأساسية، يدور حول تكذيب كل ما تواضع الناس على الاتفاق حوله. من ذلك مثلا أنه يرى إلى العلاقة بين المرضى والأصحاء على أنها علاقة تنازع ونبذ. «إن نفاق الأصحاء تجاه المرضى هو أكثر أنواع النفاق شيوعا»، لا يحتمل الصحيح وجود المريض، ذلك الذي عاد بعد أن كان قد وعد بأنه ذاهب إلى الموت، «يخلي المريض مكانه عندما يمرض، وها هو ذا الآن يعود ليطالب بمكانه السابق، وهو ما ينظر إليه الأصحاء دائما على أنه من أفعال الوقاحة المطلقة». ذلك أقرب إلى علاقة استئصال وحرب، حسب برنهارد. من يذهب عليه ألا يعود، وهو إن عاد سيجد أن مكانه الذي أخلاه لم يعد له، «فالأصحاء يحتلون مكانه فورا». أحيانا تكون للمرضى العائدين القوة على إزاحة الأصحاء من طريقهم، والتخلض منهم كلية، نعم، «بل وقتلهم»… إلى آخره.
في الصفحات التي تصف ذلك القطْع بين المرضى والأصحاء نستعيد حروبا مماثلة استفاض الأدب، وكذلك السينما، في وصف تفاصيلها. تلك الحروب بين الموتى والأحياء حينا، بين المخلوقات الأرضية وتلك الآتية من الفضاء الخارجي حينا آخر. في وعي برنهارد، هناك دائما ما يقبع مضطرماً أسفل السطح الظاهر. في الصفحات الأخيرة من الكتاب يعود برنهارد إلى سيرته مع صديقه، تلك التي كانت طوتها تداعياته حول الموت والجنون وقساوة الطبيعة وظلمها، وكذلك مراقبته لذاته مراقبة دقيقة… ها هو يعود إلى ذلك «النزاع» الذي استفاض في وصف عوارضه، لكن ليقول إنه هو نفسه أذعن لتلك الحرب. «لا أغفر لنفسي أنني تجنبت صديقي في شهوره الأخيرة عمدا وبدافع من غريزة البقاء الحقيرة».
كان الشفاء قد أتاح لبرتهارد أن يعيش سنوات أخرى تلت رحيل صديقه باول في أحد مصحات مدينة لنتس، وليس في «الفناء الحجري»، «وطنه الحقيقي». كان قد أودع هناك في لنتس بعد أن اقتحم متجر ابن خاله الصائغ، وكان لهذا أن استطاع السيطرة عليه وتسليمه للشرطة، إذ لم يصدّق أن قريبه لم يكن مسؤولا عما يفعله، وهذه الأخيرة أودعته المصح، حيث سيقضي نحبه، في هذه الصفحات القليلة الأخيرة تتسارع أحداث الكتاب، كما تتعالى وتيرة الإنفعالات، منهية سيل التأملات والأفكار ومسلمة السيرة الهائجة لنهاية حزينة، بل لشعور عادي بالندم نتيجة للكلمات القليلة التي يختتم بها برنهارد روايته: «حتى اليوم لم أزر قبره».
*كتاب توماس برنهارد «صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين» نقله عن الألمانية سمير جريس وصدر عن دار ممدوح عنوان ودار سرد للنشر في 107 صفحات ـ 2019.
٭ روائي لبناني