عن صنمية أنظمة حكامها زاهدون في الحكم!

حجم الخط
0

مالك التريكي

من أعجب ما أتت به الأخبار أن أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى صرح لـ’واشنطن بوست’ بأنه أبلغ الحكام العرب أنه لا ينبغي أن ‘نخاف أو نقلق’ من الثورات الشعبية التي تجتاح الوطن العربي!

نكتة إخبارية يصعب الإتيان بمثيلها… ولعل تحفظ ‘واشنطن بوست’ البالغ في التعليق عليها هو الذي زاد من حلاوة النكتة، حيث أنها اكتفت بالقول: إن هذه ‘رسالة مفاجئة من بعض الوجوه’، نظرا إلى أنها قد صدرت عن أمين ‘منظمة تجسم النظام القائم’. ثم قالت الصحيفة من باب التفسير والتنوير: على أن عمرو موسى ‘قد أوضح أنه لم يعد يرى أن دوره يتمثل في الدفاع عن الوضع القائم’. حيث أكد أنه ‘بلغ رسالة’، في اجتماع مندوبي الجامعة العربية في القاهرة الاثنين الماضي، ‘بأن رياح التغيير تهب على مجتمعاتنا’ ودعا إلى ‘التفاؤل بالمستقبل’! ورغم أن هذه التصريحات تندرج في سياق مصري محدد، حيث أن الباعث عليها هو ما أكده عمرو موسى (الذي وصف نفسه بأنه ‘مواطن عادي’) عن اعتزامه الاستقالة من الأمانة العامة الشهر القادم وطموحه إلى الترشح للرئاسة في مصر ما بعد الثورة، فإن هذا البعد السياسي الشخصي، رغم ما يبدو من جديته، هو مجرد تفصيل ثانوي على حواشي صورة النظام الرسمي العربي (أو ما بقي منه) رغم ما قد تأكد من كاريكاتوريته. ولعل الحكمة الفيسبوكية الناجزة شاءت التقاط هذا المعنى عندما أوحت بأن النظام الرسمي العربي قد راقت له هذه النصيحة (لا خوف على الحكام من الثورات!) فإذا بالحكام العرب يتسابقون في عدم الخوف وعدم القلق، بل إنهم يتنافسون في السكينة والطمأنينة إلى حد إعلان استعدادهم لتأييد الثورات المنادية بإسقاطهم! حيث أن مجموعات الفيسبوك، ذات الحس السياسي الرفيع، تتداول منذ أيام نكتة تقول إن حاكما عربيا، ممن بدأت تدور عليهم دوائر الغضب الشعبي المكظوم عقودا، قرر النزول إلى الشوارع هو أيضا والمشاركة في يوم الاحتجاجات التي أعلن مواطنوه تنظيمها للمطالبة بالإطاحة بنظام حكمه! إلا أن الجدير بالذكر أن الرجل عمد إلى استباق هذا القرار الثوري، وتلك هي النكتة الفيسبوكية الثانية، بقرار ميتافيزيقي يقضي بإلغاء يوم الجمعة! وبما أن هذا الحاكم لا يخشى في إطلاق المبادرات العجيبة لومة لائم، فإن القرار يبدو قابلا للتصديق. بل إنه يبدو، من وجهة النظر السلطوية، قرارا احترازيا منطقيا في هذه اللحظة التاريخية الكانسة للطغاة كنسا. ذلك أن ليوم الجمعة سوابق لا تطمئن أي حاكم من حكام الظلام: فقد أثبت يوم الجمعة، بانتظام عجيب مريب من 14 كانون الثاني (يناير) إلى 11 شباط (فبراير)، أنه يوم شعبي بحق. يوم عربي بامتياز. يوم يبدو محايدا كسائر الأيام، لكنه في قرارة نفسه متحيز ضد الجبابرة متقزز من جبروتهم. يوم يبدو متسامحا بل متهاونا، لكنه في حقيقة الأمر مبالغ في الترفع… حتى إذا طفح الكيل جاد للظالم بعاجل طعنة تكون هي القاضية. يوم حكيم كريم فيه حلم وفروسية: أي أن فيه إذا طغى الطاغي ‘أناة’، كما قال المتنبي، ‘تظن كرامة وهي احتقار’. كذلك هو صبر أيوب الشعبي العربي على أنظمة الحكم الفولكلورية. يبدو هذا الصبر في الظاهر رضا ووداعة، لكنه في الحقيقة محض احتقار لنظام رسمي عربي جدير بالاحتقار. وقد ظل على مر العقود ينتزع الاحتقار انتزاعا من الداخل والخارج بكل جدارة واقتدار، حيث لا يني يتخلف ويجتهد في التخلف حتى لم يعد في قدرته اللحاق بركب القرن الثامن عشر، ناهيك عن الانتماء لمنطق هذا العصر. ولا يذهبن بأحد الظن إلى أن النظام العربي الكاريكاتوري قد أقلع عن وهم العظمة الذي يخيل إليه أن الشعب مدين له بالعرفان والشكران! فها أن حاكما له رأي معروف في ‘حلق الرؤوس.. بأيدينا ولا بيد عمرو’، يخطب أول من أمس فيقول: ‘سئمنا السلطة.. من ذا يريد السلطة؟ السلطة مغرم وليست بمغنم’. آه من السلطة كم تلح على صاحبها، وكم تلج في الطلب لو تعلمون! أولم يسبق لحاكم، سقط الآن، أن قال إنه كان يحكم (منذ الأزل) تلبية لنداء الواجب، لكنه لم يكن طالب حكم؟ بل إن هنالك حاكما آخر من الراسخين في الحكم يقول كل يوم إنه لا يمارس السلطة أصلا! ولولا صحة هذا الكلام ودقته جملة وتفصيلا لما اندلعت الثورات في بلاد العرب. ذلك أن الشعوب العربية لم تقرر إسقاط هؤلاء الحكام عقابا على ذنب اقترفوه أو خطأ ارتكبوه وإنما عتابا على فرط زهدهم في الحكم!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية