باسل أبو حمدةمن محاسن الكوارث ولا سيما السياسية منها وما أكثرها أنها تشحذ الذاكرة وتغدو لحوحة في استحضار مرادفاتها ومثيلاتها ومتناقضاتها التي راحت تتراكم في الذاكرة الجمعية على مر السنين، وليس أفصح من الذاكرة الشفاهية في هذه الحالة والتي عادة ما ترفع القبعات لها وتدق نواقيس خطر ضياعها واندثارها قبل أن يصار إلى تدوينها وإدراجها ضمن قوائم التراث الانساني لا لشيء إلا لأن الانسانية باتت على قناعة، على ما يبدو، بأن الذاكرة الرسمية تكذب دائما.في الذاكرة الشفاهية الجمعية الفلسطينية، يحكى أن فلاحا كهلا تعرض لشتى أشكال الترغيب والترهيب والاغواء ليبيع أرضه لما كانت الوكالة الصهيونية تعمل جاهدة على استملاك أي قطعة أرض في فلسطين في مطلع القرن الماضي لتبني عليها مستعمراتها وتسكن فيها ما تيسر لها من يهود تستجلبهم من أوروبا، فعرض وكلاؤها على ذلك الرجل الفلسطيني مبالغ متصاعدة لإقناعه بالتخلي عن أرضه وفي كل مرة كان يرفض فيها، كانوا يضاعفون المبلغ حتى بلغ بهم الأمر أن قدموا له شيكا على بياض ليوقعه ويضع الثمن الذي يريد مقابل التنازل عن أرضه. الرد الذي ساقه الفلاح البسيط كان بسيطا ومدويا في آن ودخل الذاكرة الجمعية الفلسطينية من أوسع أبوابها بحيث لا تزال الأجيال تتناقله حتى يومنا هذا ولا أحد يتصور أنه سيمحى منها في يوم من الأيام. قال لهم حينها: حسنا، حتى لو قبلت وقمت بالتوقيع على الشيك ‘الأسود’، يلزمكم أخذ توقيعات كل الفلسطينيين فرادى وجماعات كي يصبح عقد البيع ناجزا لأن أرضي تخصهم جميعا ولا يعود تقرير مصيرها لي وحدي.إذا ضمت هذه الحكاية الحقيقية لمجموع القصص الكثيرة الأخرى التي تروى عن فلسطينيين حملوا معهم مفاتيح بيوتهم وأوراق الطابو التي تثبت ملكيتهم التاريخية للأراضي والديار الفلسطينة من البحر إلى النهر ومن الناقورة حتى رفح ، فضلا عن سيعهم الحثيث إلى ترسيخ صور ماضيهم وممتلكاتهم وحياتهم في أذهان أجيالهم اللاحقة التي ولدت وترعرت في المنافي والشتات، فإن من حق أي منهم أن يستهجن ويدين ذلك المسلسل الطويل من محاولات التنازل عن أراض فلسطينية، والذي كانت آخر فصوله تصريحات رأس الهرم السياسي الفلسطيني التي عبر فيها عن عدم رغبته في العودة إلى مدينته الجبلية الوادعة صفد.من حق أي فلسطيني أو عربي أن يضع تلك التصريحات في دائرة التعدي على حقوق ذلك الكهل وابنائه وأحفاده التي كفلتها لهم الشرائع السماوية والأعراف الدنوية، مثلما من حقهم أن يتساءلوا عن الأسباب الكامنة خلفها وعن الدوافع التي تجعل شخصية يفترض بها حماية تلك الحقوق تقدم على خطوة بهذا الحجم ان كانت تنم على شيء، فإنها تنم عن أمرين إثنين لا ثالث لهما، فإما أن الرجل بائس يائس خلت جعبته من أي تطلعات ولو بحدها الأدنى، وهو أمر مستبعد لأنه يبدو بكامل عافيته النفسية قبل الجسدية، وإما أنه مصطف في الخندق المعادي لحقوق الشعب الفلسطيني خاصة وأن الجميع يعرف أن قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى ديارهم تحتل موقع القلب في القضية الفلسطينية برمتها، فلا قضية فلسطينية من دون لاجئين فلسطينيين، وبالتالي، فإن التنازل عن قضيتهم يعني بالضرورة التنازل عن القضية الأم. أما إذا كان الرجل قد تعب وأعياه طول البقاء على رأس العمل السياسي والكفاحي الفلسطيني المعمد بملايين الضحايا بين شهداء وجرحى وأسرى ومشردين وملاحقين ومضطهدين في المنافي القريبة قبل البعيدة، فإن بوسعه التحلي بما يكفي من الجرأة والشجاعة ليخرج على الملأ ويعلن تنحيه عن موقعه القيادي وليترك لأبناء الشعب الفلسطيني الخيار في أن يقودوا دفة قضيتهم بأيديهم وبالطريقة التي يرونها مناسبة، لا أن يفرض عليهم وعلى من سيأتي من بعدهم منطقا سياحيا في التعامل مع حقوقهم في زمن طال فيه سقف الحركة الصهيونية وربيبتها الدولة العبرية كافة الأراضي الفلسطينية بما فيها الضفة الغربية بكل قراها وأريافها ومدنها بما فيها مدينة رام الله مقر رأس النظام السياسي الفلسطيني نفسه. تشي أدبيات الدولة العربية بالكثير من الوقفات والاشارات التي تدعو إلى إغلاق ملف اللاجئين الفلسطينيين، فقد دأب استراتيجيوها على تذكير صناع القرار فيها بطرح هذا الملف الساخن على طاولة أي مفاوضات تجري فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني حتى لو أغفله الجانب العربي أو الفلسطيني نفسه، وهذه إشارة قوية لا لبس فيها إلى أن الحركة الصهيونية تدرك تماما مكمن الخطر الذي يهدد دولتها المصطنعة، وهنا يلحظ نوع من التساوق المذهل بين هذه التوجهات من جهة وبين تصريحات رأس الهرم السياسي الفلسطيني من الجهة المقابلة، الذي نسي أن حق العودة للاجئ الفلسطيني هو حق فردي وشخصي لا يمكن التنازل عنه إلا من قبل صاحبه وصاحبه فقط، مثلما نسي أو تناسى أن الحديث هنا يدور حول الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني.الجانب الآخر من تلك التصريحات المتعلق بعدم السماح بأي انتفاضة مسلحة فلسطينية طالما بقي رأس الهرم هذا متربعا على عرش سلطة مهترئة لا يقل خطورة عن التنازل عن حق العودة بأي شكل من الأشكال، إذ أنه يوحي بأن من أطلقه شخص ينتمي إلى إحدى الدول الاسكندنافية المسالمة وليس إلى أرض متفجرة على النحو التي هي عليه منذ عقود من الزمن ومبتلاة بالاعتداءات والحروب وشتى أنواع الصراعات، متناسيا أن طريق التخلص من كل هذه المعاناة يمر عبر الدم الأحمر لا السجادة الحمراء، التي يبدو أنه استمرأ نعومة وبرها ولم يعد يرى غيرها سبيلا للمضي قدما في مقاربة القضية الفلسطينية. مطلقو هذه الدعوات يعرفهم الشعب الفلسطيني حق المعرفة وقد شهد الكثيرين عبر سنوات معاناته الطويلة ممن باتوا يعرفون بكاسحات الألغام أو البلدوزرات السياسية، التي يعلو هديرها كلما أريد تمرير فكرة أو مشروع ما يقتطع من حقوق الشعب الفلطسني، وكلما برزت حاجة إلى تمهيد الطريق أمام تراجع ما عن مسار تحقيقها، فالذاكرة الجمعية الفلسطينية لا تزال طرية ونشطة، ولم ينس الفلسطينيون بعد أن انطلقت ثورتهم حتى قبل أن تحتل جحافل الدولة العبرية الضفة الغربية وقطاع غزة وأن عين ثوار الأمس كانت على الديار التاريخية قبل أن تبدأ مسيرة التراجع تدريجيا وعلى أيدي فلسطينية أولا بدأ من طرح البرنامج المرحلي العتيد وصولا إلى إتفاقية أوسلو، بينما النتيجة خواء بخواء.آن الأوان لينخرط أبناء الشعب الفلسطيني في ربيع العرب وأن يدركوا أن الطريق إلى ديارهم تمر بالضرورة بنبذ النظام السياسي الفلسطيني، الذي قاد كل سلسلة التراجعات التي وضعت قضيتهم في آخر سلم أولويات صناع القرار في المنطقة والعالم، خاصة وأن الفساد في النظم المحيطة بفلسطين يقف على طرفي نقيض مع حقوقهم التاريخية وأن النظام السياسي الفلسطيني بات يشكل حلقة مركزية في منظومة الفساد العربية. ‘ كاتب فلسطيني