عن عدد الضحايا في دارفور ومسائل أخري

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

في الأيام القليلة الماضية كنت طرفاً في حوارات عدة كان القاسم المشترك فيها هو الحديث عن جائحة دارفور وما جرته من عواقب علي البلاد والعباد في السودان وماحوله. وفي أحد هذه الحوارات كان أحد المجادلين من شباب المؤتمر الوطني (حزب الحكومة في السودان) المتحمسين، دافع بقوة عن الموقف الحكومي الرسمي الذي ظل يؤكد علي نقطتين: أولاهما أنه لا تكاد توجد في دارفور أزمة تستحق هذه الضجة والضوضاء التي يثيرها الإعلام والحكومات والمنظمات الأجنبية. وثانيهما أن الحكومة غير مسؤولة عن هذه الأزمة إن وجدت.

قلت لصاحبنا إن أول من يحتاج للإقناع بهذه الحجة، خاصة الشق المتعلق منها بالمسؤولية عن الحدث هو حكومتنا الرشيدة سدد الله خطاها وهداها إلي البر. فلو كانت الحكومة مقتنعة بعدم مسؤوليتها عن المصيبة، فإن اجتهادها في التقليل من حجم الكارثة والتهوين من شأنها يكون مستغرباً. ذلك أن من نكب في نفسه أو ماله غالباً ما يهول من شأن مصيبته، لأن ما أصابه يكون عنده عظيماً حتي وإن قل شأنه عند سواه. والموقف الصائب لو كانت الحكومة مقتنعة ببراءتها عما وقع في دارفور من قتل وتشريد، قل أو كثر، كان هو أن تقوم مقام النائحين اليوم علي المصاب من أمم متحدة ودول غربية ومنظمات طوعية. فصاحب المأتم أولي بالندب من الغرباء. وبما أن أهل المصاب في دارفور هم في نهاية الأمر سودانيون يقعون تحت ولاية الحكومة، فإن الواجب الأول يقع علي الحكومة في السؤال عمن أوقع هذا الضرر بمواطنيها، والمناداة بتحديد المسؤول ومعاقبته أشد العقوبة. ولكن عندما يصر طرف ما أن يكرر ليل نهار، رغم شهادة الشاهدين علي خلاف ذلك، بأن حدثاً ما لم يقع أصلاً، فإن هذا يعطي الانطباع بأن وراء الأكمة ما وراءها.

تذكرت هذا الحوار وأنا أطالع خلال الأيام الماضية الاحتفاء الإعلامي الرسمي في السودان بما نشرته بعض الصحف الأجنبية من آراء تشكك في أرقام وإحصائيات المتضررين من كارثة دارفور، مما اعتبره الإعلام الحكومي وعدد من كبار المسؤولين والدبلوماسيين فتحاً مبيناً. ومثل هذا الاحتفاء بمقولات جهات إعلامية شهادتها مجروحة عند الحكومة أصلاً، يشي بأن الحكومة تعترف بأن إحصاءات المتضررين هي بالضرورة في صحائف سيئاتها، وأن التقليل من أعدادهم هو تبرئة لها، أو علي الأقل تخفيف من هذه السيئات. وليست هناك إدانة للذات أبلغ من هذه. ويبدو أن البعض نسي أن يبلغ هؤلاء المسؤولين والقائمين علي الإعلام الرسمي خبر براءة الحكومة مما ألصق بها من تهم في هذا الصدد، حتي لا يتحول هذا الاحتفاء بالبراءة الجزئية شهادة اتهام غير مباشرة لها.

ولا يعني هذا صحة الدعوي القائلة بأن المشكلة هي أصلاً في الإعلام، سواءً أكان هذا الإعلام المتهم هو الإعلام الرسمي الذي يلام علي تقصيره في نقل الرسالة الرسمية ونشر حجة الحكومة الناصعة القاطعة حول براءتها، أو الإعلام الأجنبي المتهم بأنه هو الذي اختلق هذه الأزمة غير الموجودة من أساسها. فعندما يسارع المسؤولون في أي بلد أو موقع إلي اتهام الإعلام، شأن المسؤولين البريطانيين والأمريكيين في الآونة الأخيرة، فهذا أول الأدلة علي فشل لاعلاقة للإعلام به. وهكذا شهدنا دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي السابق يكيل التهم للجزيرة أولاً ثم يعممها علي كل الإعلام لاحقاً، بدعوي إن الإعلام ينشر أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان حول فظائع ترتكبها القوات الأمريكية في العراق أو أفغانستان، أو تضخم عدد الضحايا. هذا مع العلم بأن المسؤولين الأمريكيين يسارعون في نفس الجملة للتأكيد بأن أكثر الضحايا هم قتلي الإرهابيين. وعندما يساءلون مرة أخري عن أعداد الضحايا يرفضون تقديم أي إحصائيات. أما إذا وردت إحصائيات من أي جهة، فإنهم يسارعون إلي التشكيك في دقتها ودوافع من قاموا بها. وهكذا يقول المريب خذوني.

وبالمثل فإن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير ومساعديه ظلوا يكليون التهم للإعلام، بما في ذلك البي بي سي، بنشر الادعاءات غير المؤسسة التي تقوض أسس الحياة السياسية في البلاد. والعجب حين يردد هذه التهم مستشار رئيس الوزراء الإعلامي الذي كان بدوره متهماً بتضليل الإعلام ومن ورائه الشعب. وهنا أيضاً نشاهد ملامح نفس الأزمة. فالإعلام يستخدم كمادته الأساسية أقوال وأفعال المسؤولين، ويستحيل عليه تجاهل تصريحات الحكومة وإحصائياتها لو تقدمت بها، بل يعتمدها كمرجعية. فإذا رفض الناس تصديق ما تقوله الحكومة فليس الخطأ خطأ الرسول المبلغ.

المقارنة بين محنة الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق وأفغانستان وبين أزمة دارفور ليست مقارنة صحيحة. فنحن في الحالة الأولي نتحدث عن احتلال أجنبي، بينما الوضع هنا هو وضع صراع داخلي. ولكنا لم نكن مصدر هذه المقارنة، التي وردت علي لسان مسؤولين كثر، ووردت أيضاً في الحوار الذي أشرنا إليه سابقاً، حيث استغرب الشاب المؤتمري الوطني الهمام سكوت الإعلام الغربي عن فظائع الأمريكيين في العراق وكبائر إسرائيل في فلسطين، بينما لا تكاد تسكت عن الفظائع غير الموجودة في دارفور. وقد نبهنا صاحبنا وقتها بأن مثل هذه المقارنة هي إدانة ذاتية أخري. فمن يقارن نفسه بإسرائيل والاحتلال الأجنبي في العرق يكون قد قصر الطريق علي من يسعي إلي إدانته، حتي لو قال إن ما يحدث عندنا من فظائع (هم أبرياء منها بالطبع) لا يبلغ مبلغ ما تأتيه إسرائيل وغيرها. وحين يقارن مسؤولون في أحاديث رسمية بين زيارتهم لمدينة سودانية وبين زيارة يرون أن حكام أمريكا يعجزون عن مثلها إلي بغداد، فإنهم يكونون قد سووا بين وجود القوات السودانية في ذلك الإقليم ووجود القوات الأمريكية في بغداد أو الإسرائيلية في جنين، وهي مقارنة ظالمة بكل المقاييس.

اتهام الإعلام الأجنبي بأنه هو الذي اختلق كارثة دارفور ليس خطأً فقط، بل هو استخفاف بالمعاناة الحقيقية لمئات الآلاف من المهجرين وعشرات الآلاف من اليتامي والأرامل (حسب الإحصائيات الحكومية). فكما قلت لأحد المسؤولين ممن أدلي بهذا الرأي، فإنه من خطل القول الزعم بأن هذه الأعداد الكبيرة من المواطنين هجرت ديارها بعد مشاهدة السي إن إن أو قراءة النيويورك تايمز. فلا بد أن شيئاً ما حدث وأجيرهم علي هجران ديارهم، وهو أمر شاهدوه رأي العين، لا سماعاً. فالمعروف إنه حتي في الكوارث الطبيعية (كما نري هذه الأيام مع الفيضانات والسيول في السودان)، فإن المتضررين يصرون علي التمسك بالبقاء في ديارهم أو بالقرب منها حتي بعد أن يبلغها الخطر، ورغم التحذيرات المتكررة لهم بالرحيل عنها. وكثير من المتضررين في دارفور أصروا علي البقاء في قراهم حتي بعد أن تعرضت للهجوم والإحراق من جهات مجهولة.

من الممكن أن يقال أن الإعلام ضخم المشكلة أو استغلها لأهداف سياسية، أو أنه أعطاها أكبر من حجمها علي حساب قضايا أخري. ولكن كل هذا لا يعني أن المشكلة غير موجودة. وحين يتحدث البعض بأن المشكلة هي مشكلة تضخيم إعلامي فحسب فإن هذا يعكس لا مبالاة بالمعاناة الحقيقية للضحايا وهم كثر. ولكن حتي لو كان الضحايا قلة، فإن الاستخفاف بمأساتهم غير مبرر، خاصة إذا لم تكن الجهة التي تستخف هي سبب المعاناة. وكما ذكرنا في وقت سابق، فإنه لا يوجد في موازين الله تعالي أي فرق بين الإبادة الجماعية وقتل فرد واحد ظلماً، لأن قاتل النفس البريئة الواحدة وقاتل الناس جميعاً هما سواء في الإثم. ولا يوجد هناك من يجادل في أن بعض الأفراد في دارفور قد قتلوا ظلماً، وباء بإثم قتلهم من باء به، والأولي بالآثمين أن يتوبوا إلي الله تعالي ويكفروا عما اقترفت أيديهم بدل المكابرة.

الإشكالية الأساسية بالنسبة للحكومة السودانية ومسؤوليها ليست فقط في عجزها عن إثبات براءتها أمام الآخرين، بل في عجزها عن مجرد تطوير ما يمكن أن يوصف بأنه خطاب البراءة، أي البدء بإقناع أنفسهم قبل غيرهم بأنهم ليسوا من ارتكب المجازر والفظائع في دارفور، والتصرف بمقتضي هذه القناعة. ومقتضي البراءة أن تتم مواجهة المسؤولية عن إحقاق الحق والعدل، بدءاً بالاعتراف بأن عدداً كبيراً من المواطنين السودانيين الأبرياء تعرضوا لظلم فادح بدون جريرة ارتكبوها، وأن كثيراً من الأبرياء أخذوا بجريرة غيرهم، ثم تحديد المسؤول عن هذه الجرائم ومعاقبته بعد إعادة الأمور إلي نصابها وتعويض المتضررين. وينبغي أن تسابق الحكومة وشرطتها وجيشها الجهات الأجنبية وقواتها في تأمين الخائفين وتعقب من يعكر صفو الأمن وكف يده عن بغيه. وينبغي أن يكون الصوت الرسمي هو الأعلي في التنويه بما وقع من ظلم، والتشنيع علي مرتكبيه. أما إذا كانت الأصوات الرسمية هي التي ترتفع دائماً بالتشكيك فيما يراه كل العالم رأي العين، وتتنصل من المسؤولية في الدفاع عن الأبرياء وإنصاف المظلومين، بل تكرر الزعم بعدم وجود جريمة أصلاً، وتعترض طريق من ينادي بإصلاح الحال، فإن الآخرين معذورون إذا استخلصوا من ذلك استنتاجات منطقية تفرض نفسها بنفسها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية