حين يعيش المرء تجربةً كبيرة يجد نفسه غير قادر على الحديث عنها، وغالباً يلزمه زمنٌ طويلٌ حتى يستجمِع نفسَه، ويستجمع تلك التّجربة، حتى يقولَ شيئاً ما، عن نفسه التي عاشتها، وعن التجربة التي عاشته كما عاشها.
واليوم، أعيش واحدةً من المرات القليلة التي أجد فيها نفسي غير قادر على الحديث عن عملي الأخير «ثلاثية الأجراس»، رغم أن عامين قد مرّا على انتهاء كتابتها، ما يجعلني أتساءلُ للمرة الأولى: كيف تبدو الكتابةُ عن عملك، في لحظة ما، أصعبَ من كتابته؟! هل لأنك غيرُ قادر على الخروج منها حتى الآن؟ ربما! هل لأنها تجربةٌ، بقدْر ما كانت شاقة، وجميلة، لا تريد مغادرتَها، مثل كل التجارب المؤثرة التي لا نريد لها أن تنتهي؟ ربما! وقد يكون هذا لأنك تفتقد تلك الحياة التي عشتُها في الرواية على مدى قرن، في القدس وبيت لحم وبيت ساحور، مع شخصياتها: إسكندر، ومريم، وكريمة، وجورج، وسلامة، ورولا!
كان من المقرر أن تصدر هذه الثلاثية متزامنةً مع الذكرى المئوية المشؤومة لوعد بلفور، إلا أن ترشّح رواية حرب الكلب الثانية لجائزة البوكر للرواية العربية دفعني والناشرَ إلى تأجيل صدورها، وحين فازت حرب الكلب الثانية، أجّلنا صدورَ الثلاثيةِ مرة أخرى.
لقد كانت رحلة كتابة ثلاثية الأجراس رحلة طويلة، بدأت عام 1990، حينما التقيتُ مجموعة من أهالي مدينة بيت ساحور في عمان، واستمعتُ منهم إلى تفاصيل عصيانهم المدني في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ومنذ ذلك التاريخ أقرأ وأُجمِّعُ وأدوّن كلَّ ملاحظة تخطر ببالي حول هذا الموضوع، في الوقت الذي أُواصلُ فيه العمل، والتحضير أيضاً لروايات أخرى. ثم جاءت زياراتي المتكررةُ لمدينة بيت ساحور ومدينة بيت لحم على مدى ثلاث سنوات، استمرارًا للإعداد لهذه الثلاثية.
كنت أريد في هذا العمل أن أُطلَّ وأعيشَ جوانبَ أخرى من (الملهاة الفلسطينية)، وكانت هذه الجوانب ضروريةً لاكتشاف مساحات أخرى في الحكاية الفلسطينية، ومساحات أخرى في تجربتي الأدبية أيضًا، إذ كان مشروعُ كتابةِ ثلاثيةٍ طريقًا آخر أسلكُه للمرة الأولى، وكانت لدي أسئلةٌ كثيرةٌ حول فنّية الثلاثيات، بناءً، وقد توصّلتُ إلى هذا الشكل: كلُّ رواية تُكمل الأخرى، وكلُّ رواية مستقلة عن الأخرى في آن، وفي هذا وفاءٌ لفكرة الملهاة الفلسطينية نفسِها القائمة على هذا التصوُّر.
هذا عن جانب البناء العام، فنيًّا للعمل، أما على مستوى أطروحاته، فقد ذهبتْ الرواية لوجوه أخرى لم تتناولها الملهاةُ باتساع، ذهبتْ إلى الحياةِ المدينية الفلسطينية، ومظاهرِها الحضاريّة؛ إلى تلك الحياةِ التي كانت تملأ مدنَ فلسطين؛ من الموسيقى إلى التصوير إلى السينما..، وصولاً لحكاياتِ الحبّ الشفيفة الممتدة التي تفتّحت في «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد». أما الجانبُ الثاني الذي كنت أفتقده في الروايات، فهو عدم الحضور الكثيف والواسع لمكوِّنٍ أساسٍ من مكونات المجتمع الفلسطيني، وأقصد دور الفلسطينيين المسيحيين، نضاليًا وإنسانيًا وثقافيًا، وكُرِّستْ لهذا الدّور العظيم روايتان من الثلاثية. أما الجانبُ الثالثُ، فهو حضور الشخصيةِ الصهيونية في الحكاية الفلسطينية، فقد اعتدنا أن نقرأ عن صهيوني يُطلق النارَ من بعيد، أو من قريب، يقتل، ويهدم، ويقتلع، ولكننا لا نعرف كيف يفكِّر وهو يقتل، وكيف يخطط ليقتل، والأهم، ما الذي فعله كي يحتلَّ فلسطين ويطردَ أهلها. ولذا، سنجد هنا ثُلاثيةَ أجيال فلسطينية، فيها شخصيات فلسطينية بأجيالها من بدايات الثلاثية حتى نهاياتها، وفيها شخصيات صهيونية عابرة لها من بداياتها إلى نهاياتها.
لقد تكوّنت لهذه الثلاثية مكتبة خاصة، وأرشيفٌ من الحكاياتِ التي سمعتُها، ثم جاءت الزيارات المتكررة إلى أرض الأحداث، لكن هذه الثلاثية في النهاية رؤياي التي تجسدت فيها.
لقد سمعتُ الكثير من ردود الفعل حولها من القراء، ولكن انطباعاتٍ جاءت من قِبل أحد الأصدقاء، علِقتْ بقوةٍ في ذاكرتي، إذ كان هذا الصديق قد رافقني إلى بيت ساحور وبيت لحم أكثر من مرة، على مدى سنوات، وأسرّ لي أنه كان مترددًّا في قراءة الثلاثية، وبخاصة «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، لأنه كان يعتقد أنه يعرف ما فيها! فقد سمِع معي الحكاياتِ التي سمعتُها، وقرأ كثيرًا من تلك الكتبِ التي قرأتُها؛ ولكنه حين بدأ القراءة، تبين له أنه لم يكن يعرف الكثير عن بيت ساحور، كما كان يعتقد، وأن الثلاثية غير ما سمِع، وأنها بشخصياتها وأحداثها مفاجِئة له. ولعل هذا يدفعني لاستعادة النصيحة العربية القديمة، حين كان يقال لذلك الذي يريد أن يصبح شاعرًا: احفظ ألف بيت، انسها، ثم اكتب قصيدتك؛ لأقول: إنني عملت على أن أسمع وأحفظ حكايات وحكايات، ثم أتناساها، ولا أقول أنساها، لأكتب الحكاياتِ الجديدةَ الواسعةَ الممتدةَ المتشعبة التي احتضنتها الثلاثية.
قبل عشر سنوات كتبتُ شهادةً عن الملهاة الفلسطينية، قلتُ فيها: إن الكاتب ليس مدوّن حكايات، هذه مَهمَّةُ أناس آخرين، وقلتُ: إن مشروع الملهاة يهدف، فيما يهدف فنيًا وإنسانيًا، إلى أن يفاجئ الذي يعرف فلسطين بأنه لم يكن يعرفُها جيدًا. ولعلّ في هذه النقطة بالذات يكمنُ المعنى العميق للكتابة، فإذا كتبَ روائيٌّ عن عمّان، مثلاً، وقرأْنا عملَه، وقلنا: إننا نعرف كلَّ ما تحدّث عنه، ففي ظنّي، لا معنى لعمله هذا. أما إذا قرأنا عملَه وقلنا: كيف لم نكن نعرف أن كل هذا موجود في مدينتنا؟! فهاهنا يُصبح للكتابةِ جدوى؛ وهي جدوى كنت بحاجة إليها أيضًا، فقد علَّمتني كتابةُ هذه الثلاثية أشياء لم أكنْ أعرفها، وساعدتني على أن أعيش أحداثًا لم أعشْها، لم تزل قوية ومؤثرة حتى بعد مرورِ عامين من انتهائها، كما أشرت، وهما عامان لم أستطع كتابة أيّ شيء جديد خلالهما.
لقد حدث معي مثل هذا من قبل في قراءتي لكتاب ما، أو مشاهدتي لفيلم ما، وفي تجارب حياتية رائعة عشتُها، إذ كنتُ أتعمّد ألا أفعل شيئًا سوى أن أعيشها؛ أن أعيش عمقَ الحالةِ، وجمالهَا، فلا أنهمكُ في أيّ عمل يُخرجُني من حالة التّجلي التي وصلتُها، فأن تعيش الحياةَ، هو الحياةُ المشتهاة.
وبعد:
كلّي أملٌ أن تمتلئوا بهذه الثلاثية كما امتلأتُ بها، وتعيشوها كما عشتُها، وأن تكون جزءًا من ذاكرتِكم، ذاكرتِنا، التي يجلسُ، اليومَ، الأعداءُ في أحضان الأشقاء، ويتكالبون ويتضابعون عليها.. من أجل محوها..
ولن يستطيعوا..
شهادة قدِّمتْ في حفل إشهار (ثلاثية الأجراس)، في مؤسسة شومان، عمّان.