عن فيتوريو وجوليانو، والحب الذي قتل

حجم الخط
0

رحاب أبو هوشرفي هذه التراجيديا، لم يكن القاتل متيما بالضحية، ليس عطيلا وقد جننته غيرة العاشق فأجهز على معشوقته ديدمونة. الحب أحادي الطرف كان ثيمة تراجيديا شهيدين في سبيل الحب، والكراهية لدى القاتل كانت سبب الجريمة، وأداتها وغايتها أيضا. في أقل من شهر، استشهد عاشقان لفلسطين وللإنسانية، المخرج جوليانو خميس في جنين، والصحافي الإيطالي- فلسطيني الهوى والهوية فيتوريو أريغوني في غزة، استدرجهما الحب إلى حتفهما على يد مجموعة ‘تنتمي’ إلى من أحبوهم في الإنسانية وقيمها، ووهباهم اشتعال شبابهما ونبض قلبيهما، وإرادة الحياة وإبداعها فيهما.

الاثنان اختارا بإرادة واعية الانحياز للإنسان ولهذا انحازا لفلسطين المحتلة وعذاباتها، جوليانو ابن المناضلة الأممية المرأة اليهودية ‘آرنا’، والفلسطيني الشيوعي صليبا خميس، عاش في مخيم جنين حوالي تسعة أعوام مع والدته، مكرسا موهبته وثقافته وقيمه لأهل المخيم، في التأسيس لثقافة سينمائية ومسرحية، تنتشلهم من حصار الاحتلال، وترمم ما أحدثه من تشوهات في حياتهم. جوليانو خميس كان يتلقى تهديدات مجهولة بالقتل، وفي النهاية قتله ملثمو الظلام.

في الصورة المنشورة بعد جريمة إعدام الشهيد الإيطالي فيتوريو أريغوني خنقا، من قبل جماعة سلفية في غزة، ثمة أسى مريع على المحيا النبيل، ومن حسن حظنا ربما، أن عينيه كانتا معصوبتين، كي لا نرى عارنا يكسر نظرته ويدمي عيوننا. هل قدّر فيتوريو في تلك اللحظات – السنوات، أن من سن سكاكين الكراهية ليسوا من الشعب الفلسطيني، أهل غزة الذين تبادل معهم الحب والصداقة؟ هل تمكن ذهنه الضاج بالصدمة والرعب من التوصل لما ارتكبه من آثام لينال عقاب القتل؟ أم مضى إلى موته وقلبه يبكي مرارة غدر الأحبة؟ وهل ندم على حبه الكبير؟ في جنازته التي نظمها الفلسطينيون في غزة، غابت خفافيش الظلام، وكان الحب وحده حاضرا يدفع عنه عارا أحل به، الكارهون لم يقتلوا المحب وحده، قتلوا معه فلسطين وأبناءها، وقتلوا الإنسانية في آن معا. كان أهل غزة يكفكفون فجيعتهم بالدمع، وكنا مع أهل غزة، نواري وجوهنا خجلا، ونندب خذلاننا لمن أحبنا، ونذر نفسه لقضية وشعب لم يربطه بهما إلا الحب.’ابقى إنسانا’ كانت عبارة فيتوريو الشهيرة، هو اليساري الأممي الذي انتمى إلى إنسانيته فقط، وعرف بعقله وضميره وقلبه، أن غزة المحاصرة من قوى الكراهية، تحتاج في عزلتها للمحبين. غادر موطنه إيطاليا قادما إلى غزة مع بعثة ‘غزة الحرة’ في آب (أغسطس) 2008 لكسر الحصار الإسرائيلي عن غزة، وأقام حتى استشهاده في غرفة وحيدة في ميناء غزة.

كان يمكن لشاب وسيم مثقف مثله، أن يبقى في إيطاليا، بلد الحرية والشمس والفرح، كان يمكنه قضاء أوقاته في الاستمتاع بالعمر الجميل القصير. هل كان يدرك كم سيكون عمره قصيرا؟ تخلى مثل قديس أو نبي، عن عيش اللذة والراحة والطموح المهني، وذهب لكي يعمل مع الصيادين والمزارعين في غزة، يقتسم معهم شظف العيش والصمود، وينشر صور الجسد البهي موشوما بكلمة ‘المقاومة’، ويغني أغنيات حب فلسطين والحرية، ويحفظ أغنيته المفضلة ‘أناديكم’، ويصبح ابن غزة الإيطالي، المعروف لديهم باسم ‘فيكتور’. عمل طوال إقامته بين أهل غزة على استثمار عمله الصحافي في تسليط الضوء على معاناة غزة وأهلها، لم يكن فيتوريو شخصا فاشلا يبحث عن مغامرة ممتعة، فجحيم غزة لا يحتمله أحد، لكنه حامل إرث نضالي، وهو المتحدر من عائلة إيطالية يسارية. والدته ‘أيكيديا بيريتا’ عمدة إحدى القرى الإيطالية، صرحت لصحيفة ‘الغارديان’ عقب جريمة قتله بأن ولدها تلقى تهديدا بالقتل من موقع أمريكي متطرف قبل عامين بسبب نشاطه التضامني مع غزة، وقالت أنها فخورة به. هل ما قالته ينفي التهمة عن الجماعة السلفية؟ أم أنه الحب أيضا ما يجعلها في حالة إنكار لأن يكون القتلة من صفوف من أحبهم؟ أم هو النبل والوعي العميق للدفاع عن شعب لا تمثله حفنة من المجرمين؟

لم تثر جريمة من طراز صادم في فجائعيته أي اهتزاز لقناعات ومواقف عائلته، حيث رفضت استلام جثمانه عن طريق سلطات الاحتلال الاسرائيلي، وطلبت نقله عبر معبر رفح المصري. هو الحب قويا حقيقيا راسخا، كما لم يعرفه كثيرون أو قليلون منا، لا فرق.

لضخامة خزان الكراهية في قلوبهم، لم يحتمل قتلة جوليانو وفيتوريو حبهما الكبير، ولم يحتملوا إنسانيتهما التي تحتوي العالم بين ذراعيها، ولا تقف في وجه قلبيهما فروقات البشر الدينية والعرقية، ويهتديان بهدي الحب لمناصرة المظلومين وقضاياهم العادلة. القتلة أرعبتهم قلوب لا يمكنهم امتلاكها، يتضاءلون أمامها، هم يتساءلون في وعيهم الضامر وضميرهم المتفحم: أي ثمن يريده ابن اليهودية من حطام جنين؟ وما له هذا الإيطالي وغزة؟ ما شأن هذا المسيحي، اليساري الكافر بغزة العربية المسلمة؟ يستفزهم الورع والتقوى العميقان، في تقديم الذات وما تملك لقضية لا يصطليان بجراحها شخصيا، ويقض مضجعهم اتساع الدنيا في عيني جوليانو وفيتوريو، في أضيق بقاع من العالم، محاصرة وتنزف المعاناة يوميا.

الله يا فيتوريو وجوليانو، سرتما على درب جلجلة المسيح، رسول المحبة، كنتما قرابين الحب الكبير، ومنا خرج ‘يهوذا الإسخريوطي’، كما خرج من بين تلامذته الاثني عشر، ليخونه ويسلمه لليهود مقابل ثلاثين قطعة فضة بعد العشاء الأخير، وهكذا فعل ‘يهوذا’ الذي يتخفى باسمنا، نفذ بالوكالة عن اليهود المحتلين مخططا جديدا لقتل هوية فلسطين النضالية، وتشويه الإنسان الفلسطيني. على أن ‘يهوذا الإسخريوطي’ حسب الرواية التاريخية ندم بعد ذلك وقتل نفسه، و’ يهوذا’ الذي اختبأ بيننا، يقتل باسم الله، ويعلن كراهيته للجميع.

السلام لأرواح شهداء الحب والإنسان والحرية، واللعنة على ملثمي الظلام، أعداء فلسطين والإنسانية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية