عن ملوك أمريكا

حجم الخط
0

صبحي حديدي

تناقلت وكالات الأنباء وعشرات المواقع علي الانترنت خبر وفاة طبيب الأسنان الأمريكي ليستر هوفمان، الشهير في بلاده لأسباب لا تتصل البتة بانجازاته في حقل اختصاصه، بل لأنه ببساطة كان آخر غريب وقعت عيناه علي المغنّي الأمريكي الراحل الفيس بريسلي (1935 ـ 1977)، النجم الأشهر في موسيقي الروك أند رول، والأيقونة الكبري لأجيال وأجيال، الملك تارة، و ملك الملوك طوراً. ففي ليلة 15/16 آب (أغسطس) 1977 زار بريسلي عيادة هوفمان، حيث قام الأخير بتنظيف اثنين من أسنان الملك وحشو نخر واحد، فدخل التاريخ من هذا الباب وحده! ذلك لأنّ النجم عاد الي بيته تلك الليلة ولم يخرج منه الا في الكفن، اذْ عُثر عليه في اليوم التالي جثة هامدة، ملقي علي أرض الحمام اثر تناوله جرعة عالية قاتلة من المخدرات. أمّا الأشهر من هوفمان في هذا الميدان فهي جنجر ألدمان، صديقة الملك التي كانت في فراشه حتي ربع الساعة الأخير قبيل انتحاره.

هذا التفصيل، وسواه عشرات التفاصيل الأخري ذات المحتوي المماثل، يندرج في الهستيريا البريسلية، أو ذلك الهوس الجَمْعي الذي استولي ويظلّ يستولي علي مخيال شعبي واسع عريض في الولايات المتحدة وخارجها، رغم انقضاء قرابة ثلاثة عقود علي رحيل النجم. وفي كلّ 15 آب من كلّ سنة، خصوصاً اذا تصادف هذا التاريخ ذاته مع ذكري عاشرة أو عشرين أو خمس وعشرين، يتعيّن علي قاطني مدينة ممفيس أن يعيشوا حال اغتراب تامّ عن مدينتهم العزيزة، ولا يكون في وسع الكثيرين منهم أن يجزموا علي وجه اليقين ما اذا كانت ممفيس في أيام ذكري الملك هي ذاتها ممفيس المألوفة: القديمة، الجنوبية بامتياز، النمطية، التي يستحيل في حالات أخري الخلط بينها وبين أية مدينة أمريكية أخري.

واذا كانت المدينة قد تعوّدت علي هذا الحجيج السنوي الذي ينطوي علي توافد عشرات الآلاف من عشّاق الملك، بل وأحسنت وفادته لأسباب تجارية وسياحية قبل الأسباب الثقافية، فانّ الأمر أحياناً يبلغ مستوي استثنائياً بالفعل. في آخر احتفالية أحصي أحد مواطني ممفيس أكثر من 90 فريق تلفزة من أمريكا والعالم، وأخذه العجب الشديد اذ شاهد المعدّات المعقدة التي ستتولي النقل الحيّ لوقائع الحجّ والحجيج، فتساءل: هل اختاروا ممفيس لتنظيم الألعاب الأولمبية؟ أستاذ اللغة الانكليزية في احدي مدارس المدينة قرر التواري عن أنظار تلامذته طيلة أيام الاحتفال لأنه كان أعجز من أن يفسّر لهم القاعدة اللغوية وراء نحت كلمات انكليزية جديدة عجيبة، من نوع Elvisne مثلاً! وفي الشوارع والفنادق والبارات تحتشد عشرات الوفود القادمة من أربع رياح الأرض، وتتفنن أطقم الفسية في ادخال عشرات التنويعات علي ملامح الملك، فتحتفظ ببضع معطيات كلاسيكية معروفة (الشعر الأسود، الغرّة الناتئة، الياقة العريضة، السترة الجلدية)، ولكنها تضفي أيضاً بعض الخصائص الوطنية للبلد الذي يجيء منه الطاقم: هذا الفيس ألماني، وذاك الفيس أسترالي، والثالث ياباني.

وبالطبع، هنالك أشغال وأعمال وتجارة و بزنس كامل، بمئات الملايين من الدولارات، خلف هذا الهوس وتلك الذكري وذاك الحجيج. الشـــــركة التي تحتــــكر انتاج أو ترخيــــص مختلف أنـــواع البــــضائع المعـــــتمدة عـــــلي شخصــــــية المــلك تـــدعــــي Elvis Presley Enterprise، وتديرها أرملته بريسيلا وابنته الوحيدة ليزا ماري. رقم الأرباح تجاوز الـ 100 مليون دولار منذ الذكري العشرين، والمنتوجات يمكن أن تكون أي شيء يخطر علي البال: ثياب، طعام، أدوات منزلية، تماثيل، عطور، مداليات.

وليس الأمر أن الملك لا يستحقّ التكريم، خصوصاً وأنه جمع في شخصيته بين ضمير الأمريكي الجنوبي الأبيض وضمير الأمريكي الجنوبي الأسود، بين موسيقي البيض وايقاعات السود، بين الفقر المدقع والثراء الفاحش، وبين البوهيمية القصوي ومنتهي التفاني في الاخلاص لفكرة العائلة. المسألة أن هذا التكريم السنوي انقلب الي ما يشبه الطقس الشعائري المحموم الذي يحتفل بموت مقدّس أكثر مما يتذكّر عبقرية انسانية بشرية من لحم ودم. في السنوات القادمة سوف يصبح الاعجاب بالفيس ديانة مستقلة لأن عشاقه سيحوّلونه الي مسيح رمزي، وستصبح غريسلاند (مزرعة بريسلي التي انقلبت الي متحف خاصّ به) بمثابة بيت لحم ثانية، تتنبأ بيكي يانسي التي عملت سكرتيرة شخصية للملك طيلة سنوات عديدة. تقول ذلك وتبكي بحزن صادق، لأنها بين قلة قليلة اختبرت عن كثب تلك الجوانب الآدمية الانسانية في شخصية بريسلي: نجاحاته واخفاقاته، أفراحه وأتراحه، قوّته وضعفه.

غير بعيد عن آلاف الشموع المضاءة علي ضريح الملك، الأقرب الي مذبح في الواقع، يحدث عادة أن يجتمع أكاديميون كهول رصينون في أروقة جامعة مسيسيبي، لاحياء ذكري ابن بارّ آخر من أبناء مدينة ممفيس، هو الروائي الأمريكي الكبير وليم فوكنر (1897 ـ 1962). وذات يوم، في عام 1997، شاءت المصادفة القاسية أن تتزامن الذكري العشرون لوفاة الملك مع الذكري المئوية لولادة فوكنر، فطغت الذكري الأولي علي الثانية، وكادت أن تطمسها تماماً. وهكذا لم يجد الأكاديميون بداً من اجراء مصالحة من نوع ما، فأدخلوا تعديلاً جذرياً علي برنامج أنشطتهم، وخصصوا خمس حلقات دراسية تحت عنوان: فوكنر، بريسلي، والهوّية الجنوبية: دراسات مقارنة!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية