عن نظرية المؤامرة

حجم الخط
0

بشكل من الأشكال الإصرار على قصص المؤامرات هو اغتيال للحقيقة .. إن رؤية الواقـــــع من خلال هذه المنــظور تشوهه أيما تشويه .. في عالم يأكل فيه القوي الضعيف وينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، حكاما ومحكومين، لصوص ومنهوبين، كل شيء ‘يتآمر’ على كل شيء، وما يربحه طرف في هذا الصراع يخسره الآخر8
لا توجد علاقة ‘تكامل’ بين الحاكم والمحكوم، بين السيد والعبد، ولا بين السادة أنفسهم، كما يتوهم الكثيرون أو يحاولون إيهامنا، هناك علاقة صراع دائمة، العبد ‘يتآمر’ على سيده عندما يحلم بالحرية، والسيد ‘يتآمر’ على عبيده عندما يخصص لمراقبتهم ما يكفي من الحراس والأفاقين المهرة من رجال دين ومثقفين وعندما يخصص للآبقين منهم السجون والزنزانات والمشانق .. في عالم يأكل فيه القوي الضعيف، كل ‘شعب’ أو’طائفة’ أو مجموعة تحاول استبعاد جيرانها الأقرب فالأبعد، أو أنها ستصبح خاضعة أو مستعبدة لأي منهم .
في عالم يقوم على الهيمنة، لا مــــناص من أن تكون عــــبدا أو سيدا، هذا منطق الأمور .. أن تحاول قوة صاعــــدة تحدي الســـيد المتوج لمنطقة أو للعالم مؤامـــرة ومحاولة ذلك السيد البقاء على عرشه بالقوة والخداع هي أيضا مؤامرة، تتـــوقف القضــــية فقط على الوضع الذي نجد فيه أنفسنا في هذه الشبكة من علاقات الهيمنة.
ذهنية المؤامرة تقلب الحقائق عندما تأسطر الواقع لصالح قوة بعينها، وتثقله بكل بارانويا وعصاب السادة وتجعل منها هستيريا عامة، قاتلة، حمقاء، تماما كحماقة الاستسلام لسيد ما، أيا يكن هذا السيد .
إن صعود قوة ما ليس نتيجة فعل منظم منهجي كما تقدمه نظرية المؤامرة، روسيا الستالينية مثلا فعلت الكثير لكي تصبح قوية، لكنها أيضا فعلت أضعاف ذلك لكي تبقى ضعيفة، كان على ستالين أن يضعف باستمرار كل المؤسسات القائمة ويعزز من تناقضاتها البينية لكي يبقى هو ومركزه الوهمي قابضا على كل خيوط اللعبة السلطوية في البلاد، قتل ستالين من جنرالات جيشه أكثر مما فعل ‘أعداء’ روسيا في حروبها الكثيرة وما قتله من شعبه لا يقل كثيرا عمن قضوا على يد غزاة خارجيين، ومثله فعل الخميني، حتى أمريكا لم تخسر في كل حروبها الخارجية بقدر ما خسرت في حربها الأهلية.
كل حرب خارجية يخوضها سيد ما، ليست فقط طريقة لإخضاع شعوب أو جماعات جديدة، بل هي طريقة لإخضاع شعبه بالذات .. فقط عندما تتغير موازين القوى الإقليمية والدولية، عندما يسقط السادة القدامى أو يضعفون، تصعد تلك الأنظمة إلى عرش السلطة، تكتمل ‘المؤامرة’ .. فقط بعد أن ضعفت قوى أوروبا الاستعمارية القديمة بعد الحرب العالمية الثانية وعلى أشلاء عشرين مليون روسي أصبحت روسيا الستالينية ثاني أكبر قوة في العالم ، تماما كما جرى مع أمريكا بعد الحرب العالمية الأولى.
وكما يجري مع إيران الملالي والصين النيوليبرالية اليوم .. بالنسبة لمكارثي كان صعود روسيا الستالينية مجرد مؤامرة وكان رده المقترح على تلك المؤامرة واضحا وقاطعا: قمع أي مخالف وملاحقة أي نقد، أي صوت نشاز، هذه الهستيريا الجماعية الطهرية هي النتيجة الوحيدة لنظريات المؤامرة .. فــــي هذه الغـــابة التي نسميها مجتمعات إنسانية أو مجتمعا دوليا أو نظاما عالميا جديدا وكل أشكاله القديمة منذ ظهور الهيمنة كشكل للعلاقة بين البشر، وحتى يعيش على هذه الأرض بشر أحرار، سادة لا عبيد، سيبقى كل شيء ، كل خطوة في صراع السادة، وصراع السادة والعبيد، مجرد مؤامرة.
مازن كم الماز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية