عن هجرة الأدمغة الجزائرية

حجم الخط
0

تابعت باهتمام الضجة التي أحدثها فرار بعض أعضاء فرقة ‘البالي الوطني’ المرسلين إلى كندا لينقلوا تراث الشعب الجزائري بـ’الشطيح والرديح’، في ذكرى أول تشرين الثاني/نوفمبر الخالدة. وقد شاهدت حسرة بعض الراقصين لهذه ‘الحرقة’ الخطيرة التي نفذها زملاؤهم، ربما عن سبق الإصرار والترصد، وفي تلك اللحظة تذكرت ‘الحرقات’ الكثيرة التي نفذها أصحاب العقول والأدمغة والفكر، بعدما وجدوا أنفسهم أمام باب الجنون والإفلاس ورمي كنزهم الفكري، من دون أن يلتفت إليهم أحد من أصحاب ‘ربطات العنق’.يتساءل الكثيرون من الأجانب عن الأسباب المحيرة التي تؤدي بالكفاءات الجزائرية للهروب من البلاد وتركها؟ ولا يعرفون ولا يضبطون الإجابة. يقولون ان البلاد الغنية بالبترول والغاز والممتزجة بعصور الحضارات والغارقة في عقلية ‘الثورة’ والتمرد على الجمود، والمنعمة فوق خيرات طبيعية وخزينة ‘الله يبارك’ تكاد تنفجر بملاييرها… هذه البلاد الغنية بكل ما تحمله الكلمة من معاني لا يمكنها أن تبقى تحصي الأميين، بل لا يمكنها أن تترك إنسانا مفكرا يترك البلاد، ويلعن طريق الرجوع الى هذه البلاد التي أنجبت العلماء والمصلحين والمفكرين عبر العصور، لا يمكنها أن تصبح عاقرا هذه البلاد التي تصدر ‘الهيدريكاربير’ بالبراميل والأنابيب كما تصدر ‘الأدمغة الحراقة’ أيضا، لكن بالمجان ليستغلها صيادو الأمخاخ والعقول، لا يعقل مثل هذا.. لا يعقل في وطن مثل هذا… وعصر مثل هذا العصر.هجرة الأدمغة.. نزيف آمال وأموالقرأت في إحدى التقارير التي تتكلم عن هجرة الأدمغة الجزائرية بالإحصائيات والأرقام معلومة تقول ان هذه الهجرة الملعونة تكلف الجزائر 100 مليون دولار… وأنتم تعرفون قيمة الأموال الضائعة ومدى احتياجنا إليها، فلم أجد بلدانا أجنبية لم تفعل لأدمغتنا أي شيء. وفي الأخير تخطفهم بفسح المجال لهم وتوفير الظروف الملائمة للإبداع والبحث.. أتساءل وأقول: هل الجزائر غير قادرة على فتح المجال والظروف لهؤلاء للعودة؟ هل الجزائر ضيقة لدرجة أنها لا تستطيع إعادة أبنائها المبعدين وتوفير المناخ الملائم لعقولهم؟لقد أحسست بأن البلدان الشمالية الجاذبة بمغناطيس استراتيجي لعقول أبنائنا الحديدية تنظر إلينا بضحكة باردة، تنظر إلينا وكأننا أمة ضخمة في أرقام ‘ديموغرافيتها’ صغيرة و’طفيلية’ في تفكيرها، أمة بعدما كانت تتهم ‘بالقابلية للاستعمار’ صارت الآن أمة ‘قابلة للاستحمار’ على أقل تقدير. الجامعة… الإضرابات وبحوث الشكاوىالمتأمل لحل الجامعة الجزائرية وهي تعاني كل عام من نفس المعاناة المسموعة منذ ملايين السنين، والتي مازالت لم تجد مسكّنا على الأقل تفسح من خلاله مجالها التكويني لطلبتها النجباء كي يفرغوا ما في جعبتهم… سيبكي حتما لحالها… الإضرابات والمشاكل والشكاوى هي الخبز اليومي الذي يخرج من كليات ومدارس البلاد، لا مجلات قيمة… ولا مراكز بحث… ولا محاضرات خارج الدروس ولا مؤتمرات… ولا… ولا. لقد تأسفت مرة وأنا أسمع لأحد الدعاة العرب حضر لبلادنا، وفي حصة تلفزيونية سأله شاب جزائري قال له: ‘يا شيخ أنا طالب جامعي، أمضي الأسبوع كاملا في الدراسة ولكن بجوع’، فسأله الداعية: ‘وهل لا توفر لكم الوجبات الغذائية؟’ ثم تنهد وقال بأسى: ‘والله يا ليتني صرت خبزة بين يديك لتأكلني، كي تدرس بدون أن تجوع ‘، وقد قال لي احد الأصدقاء باستهزاء وهو المعروف بتنكيته رغم أنه ليس له أي مستوى تعليمي: ‘يا صديقي عدد ‘العشاق’ في الجامعة عندكم أكثر من عدد الباحثين’، فحاولت أن أرده… فقال لي: ‘لا تغطي الشمس بالغربال. ”أدمغة’… على صوت واحدالبروفيسور الجزائري الشهير إلياس زرهوني في برنامج ‘موعد مع الهجرة’ المبث على قناة الجزيرة في أواخر شهر نوفمبر الماضي صرح قائلا: ‘غادرت الجزائر لأنها وضعتني في الصف الأخير’، وأضاف أن الميزانية التي وضعتها واشنطن له لما كان مديرا سابقا لمعهد الصحة الأمريكي تفوق مجموع ميزانيات عدة دول عربية. ويتفق الجميع على أن السيد زرهوني لو وفرت له بلاده ما يحتاجه، لما تركها وصار ممن وضعوا علمهم وأبحاثهم تحت تصرف سياسة جورج دابليو بوش. ولما أتذكر رواية ‘ذاكرة الجسد’ لأحلام مستغانمي أصيب بهيستيريا من الضحك والبكاء في نفس الوقت، فتلك الرواية التي صدرت في الجزائر أوّلا لم تُثر أي ضجة أدبية أو إعلامية، كالتي أحدثتها أغنية خالد ‘دي… دي…واه’ ولما طارت مستغانمي إلى بيروت حاملة معها روايتها في بداية التسعينات وتم نشرها، صارت من أشهر الروايات العربية، بل أصبحت تحتل المرتبة الأولى في سوق المبيعات، وتحولت مستغانمي إلى نجمة الأدب الجزائري بامتياز .ومؤخرا طالعتنا جريدة وطنية بخبر عن أستاذ جامعي جزائري تحصل على شهادة دكتوراه في الفيزياء من جامعة باريس، وبعد أن عاد إلى الجزائر ليضع تجربته وعقله في خدمة بلاده، صودف بأن رفض ملف توظيفه بجامعة الشلف بحجة أن اختصاصه غير مطلوب، وبعدما نوى أن يقدم ما لديه لبلاده صار في بطالة منذ عدة أشهر، ربما ينتظر مستشفى المجانين كي يدخله إذا دام على هذه الحال. الأدمغة’… ‘احتقار’ و’تهميش’ و’تهجير’لا يمكننا أمام هذه الظاهرة الممنهجة أن نقول ان الأمر عادي يرجع إلى ظروف وظروف مل الإنسان العاقل في هذه البلاد من سماعها بنفاقها إن تنامي هجرة العقول بهذه الطريقة يكمن وراءه سببان واضحان: فالاحتقار يلعب دوره وهذا ما أوضحه الدكتور اسماعيل بوجعدار، في إحدى ندواته مع الصحافة، بالإضافة إلى التهجير الممنهج، فلما كان الإعلامي والشاعر عبد الرزاق بوكبة في إضراب عن الطعام جراء إقصائه من وظيفته بالتلفزيون الجزائري بسبب ما قال: ‘مزاج أشخاص’، صرح لإحدى المواقع الإلكترونية الجزائرية وقال بصريح العبارة: ‘بأن هناك مسؤولين يعرقلون الكفاءات الوطنية لإرغامهم على الهجرة إلى الخارج’ وأضاف بكل رجولة: ‘نموت هنا وما نهاجرش’ … لكن المئات من زملائه إعلاميين وكتابا ‘هاجروا وماماتوش’ وهذه هي العقدة التي نتحدث عنها.إسلام كعبـــش[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية