يئير لبيد بمطالبته المضحكة من ريال مدريد «الاعتذار» على استضافة عهد التميمي، أثبت أن اللقاء في مدريد «يدلل على جهالة أمام الذين يريدون تدمير دولة إسرائيل». لنترك جانبًا القدرة التدميرية لفتاه في السابعة عشرة من عمرها، معدومة الحقوق، وللبرانويا «الرهاب» المصطنع لإسرائيلي ابن 54 عامًا في المنافسة على درجة الجهالة، بخصوص ما يجري تحت الاحتلال. من المسموح به أن نقول إن مستضيفي التميمي في مدريد يعرفون عن الاحتلال الإسرائيلي أكثر من زعيم الوسط الإسرائيلي الذي يسكن رمات ابيب حـ، والذي يمكننا الافتراض أن قدمه لم تطأ يومًا قرية النبي صالح. كشخص يتلقى معلوماته من الجيش الإسرائيلي ومن الشاباك ووسائل الإعلام الإسرائيلية، ويمتنع عن اللقاء بالفلسطينيين ومن زيارة المناطق، كمعظم السياسيين الإسرائيليين، فليس لدى لبيد فكرة عن الحياة وعن الناس في قرية النضال العنيدة هذه، أو في أي مكان آخر موجود على بعد نصف ساعة سفر عن بيته. لبيد ليس استثناءً في جهالته، فكل قارئ عادي للصحف من غرب أوروبا يعرف اليوم عما يجري تحت الاحتلال أكثر من معظم الإسرائيليين. وفي وسائل الإعلام العالمية يتم الكشف عن الحقيقة المجردة، والبسيطة، تلك التي يتم تغطيتها جيدًا عن أعين الإسرائيليين، ويتم تغليفها من أجله بتلال من التخويف والأكاذيب. هناك لا يغسلون الأدمغة من «مخربة» ابنة 17، «عائلة قتلة»، «قرية مخربين»، «تدمير إسرائيل»، «إرهاب سياسي» أو «إرهاب الطائرات الورقية». هناك يتحدثون عن الحياة تحت الاحتلال وما الذي يحرك المعارضة له.
في ريال مدريد يرون في «عهد» بطلة ورمزا يثير التقدير والتماهي مع المقاومة المشروعة للاحتلال، هل يوجد طريقة معقولة أخرى لوصف الحياة في «النبي صالح»؟ باستثناء «هآرتس» واثنين ـ ثلاثة من مراسلي المناطق في وسائل إعلام أخرى، الذين ما زالوا يحاولون تقديم تقارير حقيقية ويواجهون معارضة من محرريهم، المعلومات عن المناطق يتم تزويرها وتشويهها. كلهم مخربون. يفيقون صباحًا ـ مخربين. يذهبون للنوم ـ مخربين. لقد ولدوا لقتل اليهود. ليس لسياق الاحتلال مكان في الاعلام الإسرائيلي. لوصف الحياة اليومية ليس هنالك مشتر. لوصف أعمال الرعب والجرائم ليس هنالك شجاعة. الجيش الإسرائيلي والشاباك هما مصدر المعلومات الحصرية تقريبًا عما يحدث في مخيم بلاطة.
غسيل الأدمغة الذي ازداد بدرجة كبيرة منذ الانتفاضة الثانية، لا يترك المزيد من الأوصاف المعقولة لواقع الحياة في الضفة وغزة. إسرائيل مستعدة فقط لاستقبال معلومات مشوهة ودعائية عما يحدث هناك، والتي تصل حد التحريض وصرف الانتباه. إن محاولة وصف رعب الحياة في غزة مثلاً، هي حالات نادرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية أكثر بكثير مما هي في الإعلام الأجنبيّ، وحتى هؤلاء يثيرون الانتقاد والغضب. الإسرائيليون مصممون في تطلعهم عدم المعرفة والتلفع بجهالتهم.
إسرائيل تمنع الصحافيين الإسرائيليين من الدخول إلى غزة، منذ 12 عامًا لا أحد ينبس ببنت شفة، ومدن الضفة وقراها أيضًا تحظى بعدد أكبر من الزيارات للمراسلين الأجانب مقارنة مع الإسرائيليين. النتيجة: جهل مريع، مع آراء مسبقة، وتنميط، وخوف، وكراهية، وتعال، واحتقار كل ما يتعلق بالفلسطينيين. في غياب أي اتصال مباشر بين الشعبين، فإن تأثير المعلومات التحريضية على تشكيل وجهة النظر والرؤيا في إسرائيل هي مصيرية.
ما زال مسموحًا الاعتقاد، ربما بسذاجة زائدة، بأنه لو زار الصحافي لبيد وليس السياسي لبيد، ولو مرة قرية النبي صالح، وكان منفتحًا وليس مُحرضًا ضد الحياة والناس هناك، ورأى سلب القرية من أرضها، وصور الأبرتهايد أمام حلميش، لكان سيصفق لريال مدريد على استضافته التي تبعث الإلهام لبنت القرية، التي تجرأت على الوقوف أمام المحتل وتفوقت عليه، ربما حقيقة كون عهد التميمي هي كل ما لم يكنه لبيد ولن يكونه ـ فهي مناضلة شجاعة، مستعدة لدفع ثمن شخصي باهظ، وقد ولدت وترعرعت تحت الاحتلال. لبيد المدلل الذي وجد ملعقة من ذهب، ولم يناضل يوما للحصول على شيء ما ولا يتمتعٍ بأي شجاعة ـ هذا ما يغضبه جدا، ومعه قطيع وحيد القرن الإسرائيلي الكبير جدًا.
جدعون ليفي
هآرتس 4/10/2018