القاهرة ـ «القدس العربي»: تمثل مشكلة التمييز ضد الأقليات في مصر أزمة تؤرق حياة الملايين، ولا يقتصر الأمر على التضييق الأمني أو التهميش، بل وصل حد التهجير القسري والقتل.
مركز «أندلس» لدراسات التسامح ومناهضة التمييز، أصدر تقريرا، قال فيه إنه «على الرغم من مرور 4 سنوات على إقرار الدستور عام 2014، إلا أن السلطات المصرية لم تتخذ إجراءات جادة لإنشاء المفوضية المستقلة لمكافحة التمييز، بل أظهرت تخاذلا كبيرا في التصدي للتمييز الذي يمارس ضد الأقليات واللاجئين في مصر، بالإضافة إلى عدم معاقبتها للمحرضين على القتل».
وتناول في التقرير أوضاع الأقباط، وأزمة أهالي النوبة، والتهميش والتهجير الذي يتعرض له أهالي سيناء، والمعاناة التي يعيشها اللاجئون في مصر، وأيضاً التحريض على قتل المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
قتل على الهوية
وحسب التقرير «الأقباط ما زلوا يواجهون تمييزاً سواء فيما يتعلق بالقتل على الهوية الدينية كما حدث مع القس سمعان شحاتة، كاهن كنيسة القديس يوليوس الأقفهصي، في عزبة جرجس التابعة لإبرشية الفشن في محافظة بني سويف. فقد قتل على يد شاب أثناء وجوده بالقرب من منطقة مؤسسة الزكاة في مدينة السلام في القاهرة، أو ما حدث مع أقباط العريش الذين تم اغتيال 7 منهم رميا بالرصاص وإحراق اثنين أحياء وسط تهديدات لبقية المسيحيين في المدينة، بل وإصدار التهديدات العلنية لكل مسيحيي مصر».
هذه الجرائم جاءت «وسط تخاذل حكومي يصل لدرجة التواطؤ مع التنظيمات الإرهابية بعدم توفير الحماية للمواطنين الأقباط في العريش الذين يقتلون على الهوية الدينية، مما دفع أعدادا متزايدة منهم إلى ترك موطنهم وممتلكاتهم وأعمالهم في العريش والنزوح إلى مدن أخرى».
كذلك «يتواصل التمييز ضد الأقباط، من خلال الاعتداء على الكنائس ومنع ممارسة الشعائر الدينية، كما حدث في كنيسة الأمير تادرس في قرية كفر الواصلين في مركز أطفيح في محافظة الجيزة، عندما تعرضت للاعتداء والتخريب على أيدي مئات من مسلمي القرية، بعد انتهاء صلاة الجمعة، في ظل غياب الأمن تماماً، وهم يرددون هتافات دينية وأخرى عدائية ضد الأقباط، تطالب بهدم الكنيسة، وانتشرت مقاطع فيديو على مواقع الإنترنت تظهر عشرات أمام مبنى الكنيسة وهم يرددون هتافات معادية للأقباط».
وتبعاً لمركز «أندلس»، «الحكومة المصرية لم تتخذ من الخطوات والإجراءات ما يلزم لمقاومة جذور ظاهرة التطرف والطائفية، بداية من إعادة هيكلة منظومة التعليم واستحداث مناهج تعليمية ترسخ ثقافة التعددية وقبول الآخر، مروراً بتفكيك الحواضن الاجتماعية والثقافية التي تساعد على نمو التطرف والإرهاب، ونهاية بالإصلاح الديني الضروري لمجابهة الأيديولوجية الإرهابية، بجانب الحلول الأمنية التي في الغالب تفشل ـ وحدها ـ في مواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف، الذي لا يمثل تهديداً ليس فقط للمسيحيين، ولكن للمجتمع ككل».
النوبيون وحلم العودة
وتناول التقرير معاناة أهالي النوبة جنوب مصر من «التمييز والتهجير القسري والإجبار على إخلاء منازلهم وأراضيهم، نظراً لظروف بناء السد العالي على نهر النيل، ليبدأوا بعدها رحلة الشتات خارج أراضيهم».
وأضاف: «منذ ذلك الحين وهم يحلمون بحق العودة، الذي يعني حق النوبيين في إعادة توطينهم حول بحيرة ناصر وتمكينهم من تطوير الأراضي المحيطة بها، وبينما تعتبر الاستحقاقات الدستورية التي أقرها دستور 2014 نقطة تحول في القضية النوبية حيث نص الدستور المصري على إعادة سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، إلا أن قرارات الدولة فيما بعد جاءت لترسيخ التمييز ضد النوبيين ومخالفة للالتزامات الدستورية».
وتابع: «في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، صدر القرار الجمهوري رقم 444 الذي اعتبر 16 قرية نوبية من أصل 44 أراضي حدودية عسكرية، وبذلك يعد القرار 444 انتهاكا واضحا لحق العودة الدستوري حيث أنه يحرم النوبيين من العودة إلى 16 قرية حول بحيرة السد، وتبع ذلك قرار آخر وهو القرار 355 الذي استبعد النوبيين من أي مشاورات حول تنمية مدينة توشكى بالرغم مما يقره الدستور من مشاركة للنوبيين في عمليات التنمية التي تخص أراضيهم».
تقرير حقوقي يرصد معاناة الأقباط… وحرمان أبناء النوبة من العودة لقراهم
ووفق التقرير «نظمت عدة فعاليات احتجاجية حول هذه القرارات، كما تم رفع قضيتين أمام المحاكم المصرية مطالبين بوقف العمل بالقرار 444 والتي أوصت هيئة مفوضي مجلس الدولة بإلغائه، وفي 3 سبتمبر/ أيلول 2017 وهو اليوم الموافق ليوم (التجمع النوبي) من كل عام، نظم بعض أهالي النوبة احتفالية باستخدام الدفوف وهي الآلة الأكثر استخداما في فن الغناء النوبي، لإحياء مطالب المواطنين النوبيين التاريخية المتعلقة بحق العودة».
وذكر المركز أن قوات الأمن اعتقلت 24 ناشطا نوبيا، بينهم رئيس الاتحاد النوبي العام السابق، والمدافع عن حقوق الإنسان محمد عزمي، ووجهت إليهم النيابة العامة تهما بـ«التظاهر بدون تصريح والتحريض على التظاهر والاخلال بالأمن العام وإحراز منشورات وتلقي تمويلات وغيرها من التهم التي تضاف لكل قضية مشابهة».
كما ذكر أنه «في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، قررت محكمة جنح أمن الدولة طوارئ في أسوان إخلاء سبيل معتقلي الدفوف، وذلك بعد استمرار حبسهم لمدة 75 يوماً، وتأجيل الجلسة إلى 12 ديسمبر/ أيلول 2017، وما زالوا إلى الآن يحاكمون».
أهالي سيناء
وتناول التقرير ما يتعرض له أهالي سيناء من إهمال وتهميش وتمييز، مشيراً إلى أنه «يحظر على أهالي سيناء تولي المناصب العليا في الدولة، كما لا يمكنهم العمل في الجيش أو الشرطة أو القضاء أو السلك الدبلوماسي، كما لم تشهد شمال سيناء إقامة أي مشاريع إنمائية خلال الأربعين عاماً الماضية، ولا تضم مدينتا رفح أو الشيخ زويد أي مدرسة أو مستشفى أو نظاما حديثا لتوفير مياه صالحة للشرب، بل يعتمد السكان على مياه الأمطار والآبار، حالهم حال أهل العصور الوسطى».
وزاد : «في الوقت الذي ترزح فيه سيناء تحت موجة من أعمال العنف، يجد الأهالي أنفسهم معرضين لعقاب جماعي من قبل الحكومة المصرية التي تعاملهم كمجرمين أو متعاونين مع المقاتلين في تلك المنطقة، كما أن استراتيجيات مكافحة الإرهاب التي تنتهجها الدولة المصرية تعامل البدو باعتبارهم جزءاً من مشكلة سيناء الأمنية، حيث يتم توقيف المئات من سكان سيناء بطريقة عشوائية على أساس الهوية، وغالبا ما يتم تعذيبهم وتركهم يقبعون في السجون لفترات طويلة دون أن توجه لهم أي تهمة، وهو ما يتم في ظل شح معلوماتي شديد ينعكس على تغطية وسائل الإعلام».
وبين أن «تردي الأوضاع المعيشية والأمنية الناتجة عن المواجهات في شمال سيناء، فضلا عن الإخلاء القسري الذي يتعرض له أهالي سيناء لتنفيذ المنطقة العازلة على الحدود مع قطاع غزة، جعل سكان رفح والشيخ زويد يبدأون في موجات من النزوح عن مدينتيهم، ليجتمع عدد كبير من تلك الأسر داخل مدينة العريش، خاصة في منطقة المساعيد، وهو ما يجعلهم يتعرضون لمضايقات أمنية وتمييز على أساس الهوية».
وبنقل التقرير عن أحد أبناء رفح القاطنين في المساعيد قوله: «عندما نريد الذهاب لوسط المدينة، نتصل بأقارب لنا في أماكن متفرقة لنتأكد من عدم وجود حملات أمنية، ونحاول أن نطمئن أن الطرقات مستقرة أمنياً، وغالباً ما نستقل المواصلات العامة المزدحمة بالأهالي من كل الجهات للهروب من التدقيقات الأمنية والتوقيف العشوائي، وبشكل عام لا نترك محيط مسكننا إلا في حالات ضيقة للغاية».
وأكد أن: «الأمن يستهدفنا بشكل مباشر وعلينا أن نكون دائما على حذر، بطاقاتنا الشخصية أصبحت مصدر خطر دائم علينا».
كذلك تطرق المركز إلى «تعرض عدد من اللاجئين في مصر إلى التمييز الذي قد يترتب عليه حرمانه من حقه في الحياة، كما حدث مع غبريال توت وهو مهاجر من جنوب السودان لجأ إلى مصر، هو وأسرته عام 2005، ويعمل في مدرسة في حي عين شمس تأسست عام 2007 لتعليم أبناء السودانيين والمهاجرين من جنوب السودان، وقتل في 9 فبراير/ شباط 2017، على يد شاب مصري في العقد الثالث يدعى عماد حمدي، ويملك محلاً لأدوات البناء بجوار المدرسة».
وأضاف: «وفي تمييز صريح ضد المرأة رفض مجلس الدولة تعيين أمنية طاهر محمد جاد الله خريجة كلية الحقوق دفعة 2013، على الرغم من صدور حكم لصالحها، مما يشكل انتهاكا صريحا لمواد الدستور التي تنص صراحة على تعيين المرأة في كافة الجهات والهيئات القضائية دون تمييز ضدها، كما أصدر رئيس الجمهورية قرارا بتعيين خريجي دفعة 2013 من الذكور وإقصاء الخريجات، بما يشكل تمييزا واضحاً وخرقا لنصوص الدستور».
حملات تحريض
وبحسب التقرير، يواجه عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين حملات تهديد بالقتل والتحريض على العنف.
وذكر أنه «في 21 مارس/ أذار 2018، حرض أحد مقدمي البرامج التلفزيونية على قتل بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، رداً على مذكرة وجهت إلى الأمين العام للأمم المتحدة بخصوص الانتخابات الرئاسية المصرية من طرف سبع منظمات حقوقية مستقلة، ودعا السلطات المصرية إلى التعامل معه (أي بهي الدين حسن) على شاكلة الجاسوس الروسي، في إشارة إلى الهجوم بغاز الأعصاب على «سيرجي سكريبال» في المملكة المتحدة. وكان بهي الدين حسن قد اضطره لمغادرة البلاد منذ نحو 4 سنوات نتيجة تواصل حملات التهديد بالقتل».
وفي 12 سبتمبر/ أيلول الماضي، حرض الإعلامي محمد الباز، المقرب من النظام الحاكم، على قتل ثلاثة من قيادات المعارضة المصرية في الخارج، هم أيمن نور زعيم حزب «غد الثورة»، والاعلاميان معتز مطر ومحمد ناصر، قائلاً في برنامجه «90 دقيقة» على فضائية المحور «لو تمكن مصري من الوصول إلى معتز مطر أو أيمن نور أو محمد ناصر يقتلهم».
وأوضح أنه «استمرارا لسياسة الإفلات من العقاب وحماية الأبواق الإعلامية المؤيدة للنظام الحالي لم تتخذ السلطات أي أجراء ضد هؤلاء المحرضين على القتل، على الرغم من نص المادة 40 من قانون العقوبات».