عوالم الغيب وتصريفات الأقدار التي نعيش داخلها وتتحكم في مصائرنا

عبد الله مولود
حجم الخط
2

نواكشوط-“القدس العربي”: نستيقظ كل يوم ليخوض كل منا حسب مؤهلاته وحظوظه معركة حياته.

في كل يوم من هذا السجل المتجدد، نندفع لا يدري أي منا ما يخبؤه القدر له من مفاجآت سلبية أو إيجابية.

والناس في التعامل مع القدر قسمان: قسم يرى أن الفاعل في الحياة هو الوسائل المادية المحسوسة الماثلة للعيان، وقسم آخر فيه المتدينون والمؤمنون بالغيبيات أن المعركة معركة مع القدر يخوضها البعض بالإيمانيات وبالحظوظ عاثرة كانت أم موفقة، ويواجهها البعض الآخر بتعليق الأحجبة والتمائم وهمهمات السحرة.

ووسط هذا الخضم تطرح أسئلة كثيرة: من هو الإنسان؟ وكيف يعمل ويتعامل مع القدر؟ وما هي الحياة وما شفرتها؟

الجميل في هذا الموضوع أنه ليس صعبا ولا مخيفا ولا محذورا، لأنه الحقيقة؛ فالحقيقة دائما تتجلى لمن يكون في طريقها، على الرغم من أن هناك خطابا دينيا، نتج عنه خطاب اجتماعي يخوف من طرح الأسئلة في هذه الموضوعات ويقدم أجوبة مسبقة الصنع بنكهة محددة.

ومع تكاثر المشاكل والابتلاءات، ومع ما يحيط بالإنسان في حياته اليومية من امتحانات ومصائب وأمراض وأعراض وأغراض، تزدهر دكاكين الكشف عن الغيب التي يسيرها متمشيخون ومدعون للصلاح.

فقد وجدت هذه الدكاكين زبناءها في آلاف الأشخاص الحيارى في مصيرهم الذين يصارعون الأقدار ليحتاطوا لأنفسهم ضمن خطوات استباقية.

وازدهرت في خضم هذه المعركة المشتعلة بين الإنسان وقدره وبين الإنسان ومصيره، عمليات استكشاف الغيب عبر ضرب الرمل وقراءة الكف وفتح المصاحف على نية معينة والنظر في الآيات التي تتضمنها الصفحة اليمنى للتفاؤل أو التشاؤم بمضمونها.

وعبر هذه العمليات التي يعيش عليها الآلاف من المشائخ وأشباه المشائخ الذين نصّبوا أنفسهم عارفين بالغيب.

لكن هل لمعركة الإنسان مع الغيب أساس ديني أم أنها تقاليد ومسلكيات موروثة خرافية؟

صرّح القرآن الكريم في آيات عديدة وفي أحاديث نبوية بضرورة الإيمان بالغيب، قال تعالى “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ”.

وفي نقاش هاتفي معه يقول الشيخ محمد إبراهيم شيخ سنغالي مختص في الاستخارة “أن الغيب لغةً هو ما لا تدركه الحواسّ، واصطلاحاً هو كلّ ما استأثر الله تعالى بعلمه دون أن يُطلع عليه أحداً من خلقه إلّا من ارتضى”.

ويضيف “ممّا لا شك فيه أنّ الغيب بهذا المعنى يشمل ما كان غائباً ومحجوباً عن الإنسان من حوادث قد مضت، ولم تصل أخبارها إلى الناس، ومن حوادث تحدث في لحظتها ولم يطّلع عليها الإنسان لبُعدها المكانيّ مثلاً، ومن حوادث ستحصل في المستقبل، هو لا يعلمها قطعاً؛ وبتعبير آخر غيب ما كان، وما هو كائن، وما سيكون إلى يوم القيامة”.

وعن شرعية الاستخارات والكشوفات يقول الشيخ الحاج عبد الله ستيني موريتاني مختص في الروحانيات “لا يجوز الاعتقاد بأنّ هذه الوسائل تكشف عن الغيب بنحو الجزم واليقين، ولا أن يخبر بها إخباراً جزميّاً بما استوحاه من النظر فيها، لأنّ هذه الوسائل لم يدلّ عليها دليل شرعيّ معتبر”.

وعن حكم الاستخارة، يقول الشيخ أحمد سالم مدرس للفقه المالكي بنواكشوط “إنّ الاستخارة والفأل بالقرآن لا يكشفان عن الغيب، ولذلك لا نعلم لمَ كانت الاستخارة جيّدة أو سيّئة، ولا ندري ما يوصل إليه المستخير فقد تظهر المصلحة لاحقاً، وقد لا تظهر بالنسبة إلينا، فغاية الاستخارة أنّ نتيجتها في صالح المستخير، لكنّها لا تكشف له عن هذا الصالح ومتى يظهر”.

ويضيف الشيخ أحمد سالم “الإنسان في غنى عن تضييع الوقت في متابعة الأمور التي لا تقدّم له في الحياة شيئاً يعتمد عليه، ونحن مسؤولون عن صرف أوقاتنا فيما فيه خير لنا في دُنيانا وأُخرانا باعتبار أن الدنيا مزرعة الآخرة، وما نزرعه هنا سنحصده هناك، إنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشرّ”.

والحقيقة أن الإنسان لم يعد معزولا عن أحداث الحياة ومجرياتها، لذلك لا غرابة أن تنبثق في داخله، بل تتفجر أسئلة كبرى عن ذاته وحياته وأقداره؛ وهذه الأسئلة الكبرى لم تعد تقتنع بالأجوبة السطحية، ولا بترهات الخرافة، لكنها مع ذلك بقيت وقد تبقى للأبد بدون أية أجوبة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية