عوامل متناقضة وراء “التلبك الإسرائيلي” في الموقف من الحرب في أوكرانيا

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:

قالت نائب سفير الاحتلال في الأمم المتحدة نوعا فورمان ليلة الثلاثاء إنها تدين الهجمة الروسية في أوكرانيا واعتبرتها “إخلالا خطيرا بالنظام العالمي”. وجاءت مشاركة فورمان بعدما منع وزير خارجية الاحتلال يائير لابيد السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة من تقديم خطاب في الجمعية العامة من منطلق خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي في المداولات حول إدانة روسيا وذلك ضمن مساعي إسرائيل مواصلة السير بين النقاط وإمساك العصا من طرفيها خدمة لمصالحها دون اكتراث فعلي بالمعايير الأخلاقية.

في كلمتها اكتفت فورمان بالقول “نحن نستنكر هذا الإخلال وندعو روسيا للاستجابة للمجتمع الدولي بوقف الهجمة واحترام سيادة أوكرانيا”.

العوامل المتناقضة

ويستذكر مركز “مدار“ في تقرير يتتبع الموقف الإسرائيلي من الحرب بيانا صادرا عن وزير خارجية الاحتلال يائير لبيد، دان فيه الهجوم العسكري الروسي معتبرا إياه مخالفا للنظام الدولي. ويوضح “مدار” أن هذا تصريح دبلوماسي منمق لا يرتقي إلى موقف صريح يجعل إسرائيل متماهية بشكل قاطع مع الولايات المتحدة وحلف الناتو ضد روسيا. ومع ذلك، كان من الطبيعي أن يصل الرد الروسي على هذا التصريح، حيث سارع نائب مندوب روسيا في الأمم المتحدة إلى تذكير إسرائيل بأن ضمها للجولان يعتبر أيضا مخالفا لمعاهدة جنيف من العام 1949، وأن روسيا ترى في الجولان أرضا لا تتجزأ من أراضي سوريا.

وعن ذلك يقول “مدار”: “على ما يبدو، تجد إسرائيل نفسها في موقف دبلوماسي حرج، إذ إنها لا تستطيع أن تقف لا مبالية تجاه حرب تتحدى فيها روسيا كلا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية. لكنها في المقابل، لا تستطيع أن تدين بعبارات أكثر شدة الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا بسبب حاجاتها الراهنة إلى الحفاظ على العديد من التفاهمات الاستراتيجية والأمنية التي تربطها مع روسيا، خصوصا في ملفات تتعلق بهجمات إسرائيل ضد مواقع محددة في سوريا والمفاوضات النووية مع إيران”. ويشير لكون كلا الملفين يعتبران مسائل حيوية في الأمن القومي الإسرائيلي بحيث أن إسرائيل لا تستطيع أن تتنازل، على الأقل في الوقت الراهن، عن علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا.

ملامح الارتباك الإسرائيلي ومنابعه

ويحاول “مدار” رصد “التلبك” الإسرائيلي المتعلق باتخاذ موقف واضح فيما يخص الاجتياح الروسي ويستذكر تصاعد التوترات في بداية شباط 2022، ما بين روسيا وأوكرانيا وما رافقتها من تقديرات دولية بارتفاع احتمالية حصول هجوم عسكري روسي على أوكرانيا يشمل اجتياحا بريا. لكن وعلى العكس من كل التقديرات، صرح يائير لبيد بأنه لا يرى أي فرص لحصول تصعيد عسكري روسي فيما يخص “الصراع الروسي- الأوكراني”. وأثار هذا التقدير الخاطئ انتقادات إعلامية في إسرائيل بلغت حد السخرية من جهات إسرائيلية رسمية كثيرة استبعدت نشوب الحرب.

كما أثارت وقتها عبارة “الصراع” حنق السفير الأوكراني في إسرائيل، وانتقد بعبارات شديدة موقف لبيد الذي تجاهل “العنجهية” الروسية واعتبر أن الخلاف هو “صراع” بين بلدين وليس تلويحا بالقيام بـ”حرب عدوانية” ضد بلد ضعيف. توقع سفير أوكرانيا أن تتخذ إسرائيل موقفا أكثر حزما، سيما وأن علاقاتهما حميمية، على الأقل منذ انتهاء الأزمة الإسرائيلية- الأوكرانية والتي استمرت ستة أشهر (كانون الأول 2016- أيار 2017) بعدما صوتت أوكرانيا مع قرار مجلس الأمن 2334 والذي اعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة مخالفة للقانون الدولي.

ثلاثة اعتبارات

 وبرأي مدار ثمة ثلاثة اعتبارات تضعها إسرائيل في حسابها ومن شأنها مجتمعة أن تجعل موقفها من الحملة العسكرية الروسية فضفاضا وغير حاسم، أو موقفا قد “لا يقطع شعرة معاوية” بين كل الأطراف المتعاركة في أوروبا. الاعتباران الأولان يدفعان إسرائيل إلى عدم إغضاب روسيا. الأول يرتبط بحقيقة كون روسيا الأب الروحي لنظام الأسد في سورية، وتربطها مع إسرائيل سلسلة معقدة من التفاهمات المعلنة والسرية فيما يتعلق بقدرات إسرائيل في التدخل العسكري داخل سورية.

وتعتبر هذه التفاهمات استراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل وجزءا من “أمنها القومي” لأنها تحتاج إلى “حرية عمل” داخل الأراضي السورية لمنع أي إمدادات عسكرية إلى حزب الله، ولمنع تواجد إيراني قوي على حدودها الشمالية. على سبيل المثال، طلبت الولايات المتحدة من إسرائيل عام 2014 أن تحضر جلسة لمجلس الأمن كضيف شرف (لأن إسرائيل ليس لديها حق تصويت في مجلس الأمن) وذلك لإدانة روسيا التي اجتاحت شبه جزيرة القرم، وضمتها إلى أراضيها بعد أن كانت تحت السيادة الأوكرانية. لكن إسرائيل لم تحضر هذه الجلسة، وتجاهلت المطلب الأمريكي كي لا تغضب روسيا.

وقد استخلصت إسرائيل العبر من تجربة سابقة، عندما اندلعت حرب ما بين روسيا وجورجيا في العام 2008، في سيناريو يكاد يكون شبيها بالسيناريو الحالي أمام أوكرانيا: في حينها كانت التفاهمات الإسرائيلية-الروسية على المحك بسبب تدخل إسرائيل المباشر في هذه الحرب وتسليحها المستمر للجيش الجورجي، وهو أمر تم تجاوزه لاحقا بين روسيا وإسرائيل بعد سلسلة لقاءات على مستوى الرؤساء ورؤساء الحكومة، لعب فيها نتنياهو دورا بارزا لترميم العلاقات مع روسيا، والحفاظ عليها. ويرى “مدار” أنه وفق هذا الاعتبار، لا تجد إسرائيل نفسها قادرة حاليا على الاصطفاف إلى جانب الدول الغربية التي تعتبر نفسها جزءا لا يتجزأ منها في مواجهة الحملة الروسية.

“العالم الحر”

في المقابل تعتبر روسيا أهم حلفاء إيران وتلعب دورا أساسيا في المفاوضات الأممية المتعلقة بالملف النووي الإيراني. على ضوء اتهامات روسيا إلى إسرائيل بأنها قامت بتسليح الجيش الجورجي قبيل وأثناء الحرب بين روسيا وجورجيا عام 2008، أعلن الكرملين لاحقا أن روسيا تنوي بيع صواريخ أس 300 المتطورة إلى النظام الإيراني، وهي صواريخ قد تهدد التفوق الجوي الإسرائيلي بشكل واضح.

ومع أن إسرائيل وروسيا قد توصلتا مجددا إلى تفاهمات بهذا الشأن، وتم إيقاف صفقة بيع الأسلحة إلى إيران، إلا أن روسيا تلعب حاليا دورا أكثر حيوية فيما يخص الملف النووي الإيراني.

وفي مقابل هذين الاعتبارين، اللذين يدفعان إسرائيل إلى التريث من اتخاذ موقف أكثر حزما ووضوحا من الحملة العسكرية الروسية، ثمة اعتبار آخر يجعل إسرائيل مضطرة إلى معارضة الحملة العسكرية الروسية الحالية. ويرى “مدار” أن إسرائيل ترى نفسها جزءا من “العالم الحر” و”الدول الديموقراطية” والتي تقف على رأسها الولايات المتحدة. مع أن التفاهمات الإسرائيلية- الروسية سواء فيما يتعلق بإيران أو بحرية العمل داخل سورية تعتبر تفاهمات أساسية، إلا أنها لا ترتقي إلى المستوى الاستراتيجي الذي يجمع ما بين إسرائيل والإدارة الأمريكية بشكل خاص، والدول الغربية بشكل عام.

خطاب إنساني للتغطية على الموقف السياسي

ورغم تصريحات قادة الغرب بعدم وجود نية للتدخل عسكريا فإنه في حال تورطت دول أخرى في الحرب الجارية ما بين روسيا وأوكرانيا، سوف يكون من الصعب الحسم كيف ستتفاعل العوامل الثلاثة المذكورة أعلاه وتصوغ موقف إسرائيل من الحرب، كما يؤكد “مدار” ويتابع “لكن حتى هذه اللحظة، فإن الإدانة التي وجهها لبيد للحملة العسكرية الروسية كانت إدانة “ذكية” ورغم أن إسرائيل دانت الحملة العسكرية الروسية واعتبرتها منافية للقانون الدولية، فإنها في المقابل أكدت، في نص التصريح، على علاقاتها القوية، المتينة، وطويلة الأمد مع روسيا”.

وينوه أن إسرائيل صاغت هذا التصريح مستندة إلى خطاب “إنساني” أكثر منه سياسيا فهي أوضحت أنها جاهزة لتقديم كل أنواع العون للمواطنين الأوكرانيين وليس إلى النظام الحاكم في أوكرانيا. ولأن إسرائيل وجدت نفسها، وبحكم علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مضطرة إلى إبداء رأي أولي ضد روسيا، فإنها حاولت أن تصوغ التصريح بطريقة تدين التدخل العسكري الروسي ليس من منطلقات سياسية- تحالفية وإنما من منطلق أنها “دولة اليهود” وهي قلقة على الإسرائيليين القاطنين في كل من روسيا وأوكرانيا (في أوكرانيا لوحدها هناك حوالي 8000 إسرائيلي)، بالإضافة إلى المجتمع اليهودي الأوكراني (ويقدر عددهم بحوالي 200 ألف).

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية