‘عمان- ‘القدس العربي’ من سميرة عوض: ما الشعور الذي يعاود المرء إذا استعاد التفاصيل لحدث استثنائي ومميز، بعد مرور أربعين عاما.. وأية رسالة ثقافية يمكن تعميمها ـ بطريقة عملية واقعية – عبر مقارنة ‘مصورة’، بين انطلاقة المهرجان الثقافي الأفريقي الأول الذي نظم العام 1969، والمهرجان الثقافي الأفريقي الثاني بفعالياته المتعددة، وهو حدث دولي أقامته العاصمة الجزائرية في صيف 2009 بعد مرور 40 عاماً على إقامة مهرجانه الأول. وقبل أن نروي حكاية ‘عودة إفريقيا’ لا بد من الإشادة باختيارات الهيئة الملكية الأردنية للأفلام الذكية، وهي التي عرضت مؤخرا الفيلم بحضور حاشد في العاصمة عمان.
والفيلم يستعيد المهرجان الأول والذي نظم في الجزائر وقت كانت غالبية الدول الإفريقية تعاني من الاستعمار وشعوب في دول أخرى تعاني من القمع والتمييز، والثاني أيضا نظم في الجزائر بعد أربعين سنة، وتحديدا صيف العام 2009 واستمر لأسبوعين، و’عودة إفريقيا’ فيلم وثائقي، بالإنكليزية والفرنسية مع ترجمة إلى العربية، إنتاج وزارة الثقافة الجزائرية عام 2009، إخراج شرقي خروبي وسالم ابراهيمي، يقدم عبر 90 دقيقة، مونتاج باهر لـ 200 ساعة تصوير فعلية لفعاليات المهرجان، فضلا عن الحوارات التي أجادت عدسة المخرجين في تصويرها من خلال زوايا مبتكرة، أبرزت دور الحدث الثقافي الكبير في تعزيز الحوار بين الشعوب الأفريقية، ومهمته في رسم معالم هويتها. ويقدم الفيلم الوثائقي، لقطات غنية وبانورامية للمهرجان الثاني، تبدأ بافتتاحه وحتى اختتامه مرورا بكل فعالياته، بشكل يعكس الأجواء الاحتفالية للمهرجان التي توزعتها فضاءات العاصمة الجزائرية، كما يشرع نافدة الذكريات لمبدعين وسينمائيين ومسرحيين ونقاد وكتاب من الدول الأفريقية الـ53 المشاركين في المهرجان، وهم أعضاء في دول الاتحاد الأفريقي، جاعلا الحدث الثقافي للقارة هو الهدف الأساسي للقارة بأكملها، ودوره في توطيد الحوار بين الشعوب الأفريقية الذين يتشاركون الأرض ذاتها، والمستقبل ذاته. جسد الحوار رسالة الفيلم الأساسية، معليا من شأن النقاش وتبادل الأفكار بين قيادات المجتمعات الأفريقية، للخروج بحلول ناجعة تعالج المشكلات عبر البحث عن الهوية داخل حدود القارة وليس خارجها، كما وثق الفيلم شهادات لأسماء لامعة منها: المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، المخرج الجزائري أحمد بجاوي، مصمم الرقص الجزائري أبو سفيان الأقرع، ماتيا دياوارا مخرج مسرحي/ من مالي، المخرجة السينمائية المصرية جيهان الطاهري، الكاتب سامي تراك، أندرو برفيك، الكاتبة أمينة طراوي، المخرج ويليام كلين، الممثل العالمي داني غلوفر- لعب دور نيلسون مانديلا في فيلم (أبارتايد)، جو مونغا من الكونغو، امنتا تراوري وزيرة الثقافة السابقة/ مالي، مامادو تراوري مخرج مسرحي من السنيغال وغيرهم.
كما برعت الصورة بنقل التفاصيل – من غير تعليق أو كلام – في مشاهد كثيرة عكست هوية الدول التي عانت من فحش الاستعمار طويلا، مقدمة صورا حية لفنونها المختلفة التي جالت شوارع العاصمة الجزائرية بكرنفالات حقيقية وسيارات ومسيرات اتشحت بألوان القارة الأفريقية، مقدمة التنوع الثقافي الفني في إطار الوحدة التي هاجسها الأول الحياة الأفضل.
وكان المهرجان الكرنفالي بحسب الفيلم – انطلق في الخامس من تموز (يوليو) العام2009، بمشاركة كل بلدان إفريقيا، ومشاركة مبدعين من دول عربية، قدموا الموسيقى والفن التشكيلي والمسرح والأدب والسينما، فضلا عن الرقص المعاصر الأفريقي وموسيقى الجاز ذات الأصول الأفريقية التي ظلت حاضرة في مشاهد الفيلم الذي أخذنا إلى مدينتي تيزي وزو، كبرى ولايات القبائل بالشرق، حيث تابعنا المهرجان العربي الأفريقي للرقص بمشاركة زهاء 600 فنان من الجزائر ودول أفريقية. وفي سيدي بلعباس في الغرب، نظم المهرجان الأفريقي للرقص الشعبي بين 12 و18 حزيران (يونيو). الفيلم الذي أنجز وفق احدث الطرق والوسائل المعروفة في عالم الصورة والصوت، جعل ضيوف النسخة الأولى 1969، وعادوا للجزائر بعد أربعين سنة 2009، هم الخيط الناظم لصيرورة الفيلم الوثائقي عبر شهاداتهم، ولهذا استهل فيلم ‘عودة إفريقيا’ بمقطع لويليام كلين مخرج الفيلم سنة 1969 الذي خصص للمهرجان الثقافي الإفريقي الأول الذي احتضنته الجزائر وقتها، كما عرض لمختلف مراحل المهرجان الثقافي الإفريقي.
وبحسب الفيلم يؤكد المخرج الإفريقي الأمريكي داني غلوفر ‘أن الإرادة الإبداعية ستتغلب على التقاعس السياسي بمثل هذه الملتقيات إضافة إلى أن الثروة البشرية والطاقة الشبابية الإفريقية بادية للعيان وهي المستقبل الحقيقي لنهضة إفريقية سينمائية مرتقبة’. فالنقاش بين الإفريقيين هو الحل، وهذا ما يذهب اليه داني غلوفر. فيما يؤكد المخرج الموريتاني العالمي عبد الرحمن سيساكو على ‘ضرورة الاهتمام بالثقافة كشكل من أشكال النهوض بالقارة الإفريقية وان من ابرز مآسي ‘ماما أفريكا’ تفشي الجهل ما يصعب على شعوبها إدراك أهمية الحاضر والمستقبل الذي ينتظرهم، مثنيا في ذات الوقت على الدور الريادي للجزائر في جمع الأفارقة من حولها وكيف أنها في كل مرة تبرهن على ذلك ولمرتين متتاليتين الأولى سنة 1969 والثانية 2009 باحتضانها للمهرجان الثقافي الإفريقي’، مشددا: ‘انه الموعد الثقافي الوحيد الذي يجمع كل المثقفين الأفارقة في زمن ومكان محددين ما يسمح لهم باللقاء والنقاش والحوار وهو من ابرز الأشياء التي يفتقر لها الأفارقة’. ويسجل للمخرجين سالم إبراهيمي، السينمائي الجزائري المعروف، وشرقي خروبي الذي يعرف القارة الإفريقية كما يعرف نفسه بحكم الأفلام الوثائقية التي ينجزها للتلفزيون البلجيكي، اعتمادهما التوثيق للمهرجان بطريقة سينمائية ذكية مبتكرة ميزته عن التصوير العادي في مثل هذا النوع من الأفلام.