القاهرة – «القدس العربي»: كانت فترة الاحتلال الانكليزي لمصر من سنة 1882، وحتى تم الجلاء، بعد ثورة 1952، من الفترات التي شهدت فيها مصر قصصا لبطولات عظيمة، وأبطال قدموا تضحيات كبري، من أجل تحرير مصر من المحتل البريطاني.
وقد حاولت السينما المصرية، تجسيد تلك البطولات، في عدد من الأفلام، التي تناول بعضها قصصا حقيقية لأبطال حقيقيين، واستلهم البعض الآخر بعض هذه القصص ليقدموا أفلاما من وحي خيالهم، لتجسد فترات المقاومة.
كان فيلم «مصطفى كامل»، للمخرج أحمد بدرخان، من أوائل الأفلام، التي تناولت تلك الفترة، حيث يؤكد قيمة النضال والتضحية من أجل الوطن، والتنديد بالاستعمار والاستبداد والظلم، وقد تقرر عرض الفيلم في سينما «ديانا» في القاهرة، و»الكوزموجراف» في الأسكندرية يوم الخميس 17 مارس / آزار 1938، إلا أنه في اليوم نفسه صدر قرار بتأجيل عرض الفيلم وسحبه من دار العرض وعرض بدلًا منه فيلم «سلامة في خير»، بعد أن رفضت الرقابة عرضه لأسباب سياسية.
ولم ينقذ الفيلم إلا قيام ثورة 1952، فتمت الموافقة على عرضه، وعرض بالفعل في نهاية عام 1952.
وبعد ثورة يوليو / تموز، شهد الفيلم المصري نشاطًا ورواجًا متزايدًا، حيث ارتفع متوسط عدد الأفلام كل سنة إلى 60 فيلمًا، وبلغ عدد الأفلام 588 فيلمًا حتى عام 1962، وأنشئت مؤسسة السينما، وكان أحد أهدافها تدبير مصادر التمويل للأفلام الطويلة الهادفة، وخاصة ما يتعلق بالتاريخ والمقاومة المصرية، وبالفعل أنتجت في تلك الفترة عدة أفلام تتناول تاريخ المقاومة ضد الاستعمار الإنكليزي، منها، فيلم «في بيتنا رجل»، بطولة عمر الشريف وزبيدة ثروت ورشدي أباظة، عن قصة إحسان عبد القدوس، و»بورسعيد»، الذي نفذ بتوصية من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للفنان الكبير فريد شوقي، وشاركه البطولة مجموعة كبيرة من النجوم، منهم هدى سلطان وشكري سرحان ورشدي أباظة وتوفيق الدقن وليلى فوزي وأحمد مظهر وحسين رياض وزينب صدقي وزهرة العلا وعدلي كاسب ورياض القصبجي، وهو من تأليف وإخراج عز الدين ذو الفقار.
ويدور حول العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس، والمقاومة الشعبية لأهل القناة . و»المغامرون الثلاثة»، بطولة سعاد حسني وأحمد رمزي وحسن يوسف ومحمد عوض وعادل أدهم، وهو من تأليف عبدالفتاح السيد وبهجت قمر، وإخراج حسام الدين مصطفى. ويدور الفيلم حول ثلاثة أصدقاء، يتم استدعاؤهم لأداء الخدمة العسكرية، ثم يقررون الاشتراك في مقاومة اﻹنكليز في القناة.
وكذلك فيلم «شياطين الليل»، بطولة فريد شوقي وهند رستم وصلاح السعدني وأمينة رزق وسامي سرحان، من تأليف كمال اسماعيل واخراج نيازي مصطفى.
وتدور احداثه في عام 1919، حول الحياة في شارع عماد الدين الشهير، والذي يمتلئ بالبارات وبنات الليل، في ظل وجود قوات الاحتلال البريطاني، وتجنيدها للجواسيس لنقل أخبار الفدائيين، الذين يهاجمون أوكار البريطانيين، ورجالهم خاصة الذين يأتون إلى شارع عماد الدين، ويصبح الشاب عطوة نموذجًا للبطل الشعبي.
أما فيلم «بين القصرين» فيستعرض المسارات الحياتية لأسرة «سي السيد» أحمد عبد الجواد، خلال فترة الاحتلال الانكليزي وقبيل اندلاع 1919، والذي ينضم ابنه فهمي لأحد التنظيمات السياسية السرية.
الفيلم، بطولة يحيى شاهين وآمال زايد ومها صبري وصلاح قابيل وعبد المنعم إبراهيم وهالة فاخر وسمير صبري، ومن تأليف يوسف جوهر اقتباسا عن رواية الأديب الراحل نجيب محفوظ، من إخراج حسن الإمام.
ومن الأفلام التي تناولت هذه الفترة أيضا «لا وقت للحب»، بطولة فاتن حمامة ورشدي أباظة وصلاح جاهين، ومن تأليف يوسف إدريس ولوسيان لامبير، وإخراج صلاح أبو سيف. وتدور أحداثه خلال الفترة التي وقعت فيها حادثة حريق القاهرة في عام 1952.
وتناول فيلم «إسكندرية ليه» طبيعة الحياة الاجتماعية في الاسكندرية، وذلك عن طريق قصة حب بين شاب مصري يدعى إبرهيم وفتاة يهودية تدعى سارة، كما تطرق الفيلم للسياسة من خلال قصة مجموعة من الشباب يريدون التخلص من الاحتلال البريطاني، الفيلم بطولة نجلاء فتحي وفريد شوقي وعزت العلايلي ويوسف وهبي ويحيى شاهين وليلى فوزي ومحسنة توفيق ومحمود المليجي، ومن تأليف محسن زايد ويوسف شاهين وإخراج يوسف شاهين.
في الفترات اللاحقة، تراجع اهتمام السينما المصرية، بهذه الحقبة التاربخية، وأصبحت هناك مواضيع أهم من وجهة نظر صناع السينما، فاختفت الأفلام التي تجسد المقاومة ضد الاحتلال البريطاني لسنوات طويلة، إلى أن عرض فيلم «حرب كرموز» في عام 2018 بطولة أمير كرارة وإخراج ببتر ميمي، وتدور أحداثه خلال فترة الأربعينيات من القرن العشرين، تتعرض فتاة للاغتصاب على يد مجموعة من الجنود الإنكليز، فيثأر لها ثلاث شباب مصريين، يموت أحدهم، ويحتجز الجندي البريطاني أحدهم في قسم شرطة كرموز، الذي يرأسه الجنرال يوسف المصري، ويطالب الجنرال آدمز بتسليمه إليه، لكن يوسف يرفض، ويحرك الجنرال جنوده لمحاصرة قسم الشرطة، فيدخل في مواجهة شرسة مع الجنرال يوسف وبقية الجنود المصريين.
كما أعلن مؤخرا عن التحضير لفيلم «كيره والجن» المقرر عرضه في صيف 2020 ، وهو مأخوذ من رواية «1919 « للكاتب أحمد مراد، ويتحدث عن شخصيات حقيقية لأبطال ناضلوا ضد الاستعمار البريطاني في مصر في الفترة ما بين 1919 وحتى 1924.
الفيلم بطولة كريم عبد العزيز، الذي يجسد شخصية أحمد عبد الحي الشهير بـ»كيره»، أحد الأبطال الحقيقيين الذي خاضوا غمار المقاومة ضد الاستعمار البريطاني، والذي كان يدرس الطب في تلك الفترة. اشتهر كيره بتحضيره للعمليات الفدائية ضد الاستعمار البريطاني في مصر أثناء وبعد قيام ثورة 1919.
حيث انضم إلى تنظيم» الوطنيين السري»، وكان له دور كبير في قضية مقتل السير لي ستاك، حيث كان يقوم بتهريب بعض المواد الكيميائية من معمل مدرسة الطب، وكانت هذه المواد تدخل في تصنيع القنابل، أصدرت المخابرات البريطانية نشرة لجميع مكاتبها في العالم، طالبت فيه بسرعة القبض على كيره،
هرب كيرة بمساعدة التنظيم السري لثورة 1919 إلى ليبيا ومنها إلى اسطنبول.
وبعد توقيع معاهدة 1936 سافر ثلاثة من عملاء الإنكليز تركيا، واستطاعوا استدراج كيره إلى منطقة نائية، واغتالوه، ومثلوا بجثته، وتركوه في العراء للطيور الجارحة حتى كشف عن جثته البوليس التركي.