باسل أبو حمدة عندما تعلن مصر نيتها عقد مؤتمر إقليمي يبحث في القضية السورية عشية انعقاد مؤتمر دول عدم الانحياز في طهران، فإنها تعلن بذلك موقفا مسبقا من فعالياته ونتائجه المحتملة التي أعلنت طهران أنها ستتمحور حول القضية عينها، لا بل إنها ستطرح فيها مبادرة (لا يمكن رفضها من قبل جميع الأطراف المتصارعة على الساحة السورية)، على حد تعبير المسؤولين الإيرانيين، ويبدو أن مصر قد استشعرت محاولات الاستثمار السياسي للمؤتمر من قبل طهران حتى قبل إنعقاده.لا يمكن فهم الاعلان الرسمي المصري إلا في سياق السعي إلى سد الطريق على محاولة بائسة ومحكوم عليها بالفشل تقوم بها طهران للتغطية على موقفها المعادي بشكل سافر للثورة والشعب السوريين، والمنحاز بالمطلق للنظام السوري ولآلته الحربية الفتاكة التي لم يعد يخفى على أحد أنها تستمد فعاليتها وإستمراريتها من سيل الدعم الإيراني في المجالات كافة وعلى رأسها الدعم العسكري والمالي طبعا، وأنه لولا هذا الدعم ما كان لها أن تبقى في الميدان طوال عام ونصف العام من عمر الثورة في سوريا.حسنا فعلت مصر، فقد بدأت بعض الأوساط السياسية والاعلامية تدرج المبادرة الإيرانية المزعومة ضمن سلسلة المبادرات المطروحة لمعالجة القضية السورية، وكأن الجهة التي تطرحها طرف محايد فيها وليس متورطا حتى النخاع في كل تفاصيلها ومجرياتها ومسؤولا عن كل قطرة دم وعن كل أوجه المعاناة والألم التي يعاني منها الشعب السوري ويدفع بها ثمن إستعادة حريته المسلوبة وكرامته المهدورة على يد الحليف الاستراتيجي وربما الوحيد لهذا الطرف بالذات، الذي يضعه موقفه هذا في مصاف العداوة مع الشعب السوري وقضيته العادلة.أن تأتي الخطوة المصرية متأخرة خيرا لها من ألا تأتي قط ، صحيح أن انتظارها قد طال أخذا في الاعتبار الدور المحوري الذي يفترض أن تلعبه كبرى الدول العربية، لكنه جاء أخيرا وفي اللحظة المناسبة، أقله كي لا يسمح بالتماهي مع الطرح الإيراني الذي يهدف أول ما يهدف إلى محاولة تعويم القضية السورية والتشويش عليها وإعطاء النظام السوري مزيدا من الوقت للبقاء في السلطة وكي يمضي قدما في محاولاته المضنية لإعادة المارد إلى قمقمه، ما يوفر على السوريين فصولا سوداء دامية أخرى جديدة.كما أن هذه الخطوة تأتي بعد الأجواء التي تحاول إيران إشاعتها حول عدم انحياز قمتها لنظام لن يستقيم الربيع العربي من دون رحيله، مستغلة مشاركة رئيس دولة عربية شكلت أحد أهم مخرجات هذا الربيع، وبعد أن كثرت التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين مصر ما بعد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك والنظام الإيراني وما يقال عن أن بعض الدفئ قد بدأ يتسلسلل إلى شرايينها ضاربة بعرض الحائط مجريات الأحداث في سوريا والموقف الإيراني الداعم للنظام فيها والمعادي لإرادة الشعب السوري في التخلص منه ومن ممارساته القمعية غير المسبوقة في تاريخ الانسانية. بغض النظر عن مدى نجاج المبادرة المصرية وفرصها في أن ترى النور على خلاف نظيرات لها بدى عجزها جليا، إلا أن مجرد طرحا من شأنه أن يحول دون الجهود المضنية التي تبذلها قوى عربية وإقليمية ودولية باتجاه تحويل الثورة السورية إلى أزمة سياسية مستدامة أخرى في المنطقة ليتسنى لها إدارتها كل حسب ما تقضيه مصالحه الضيقة الخاصة ضاربين بعرض الحائط كل معاناة الشعب السوري، على غرار ما يحدث في غير دولة عربية وغير عربية باتت الأزمات فيها عناوين عريضة لمراحل طويلة المدى تفتقر إلى أي بصيص ضوء في نهايات الأنفاق المظلمة التي حشرت فيها حشرا وجعلت مجموع المواطنين فيها يولون وجوههم إلى خارجها بحثا عن الاستقرار وهربا من سيطرة أمراء إدارة الأزمات على الصعيدين الإقليمي والدولي. بعيدا عن مخاوف تراود قوى علمانية عربية عدة ، وبغض النظر عن مشروعية أو عدم مشروعية هذه المخاوف، فإن لمصر دورا تلعبه ولطالما لعبته في المنطقة، أو هذا ما هو مرجو على أقل تقدير، فإن مبادرة حكومة الثورة في مصر، التي أطاحت برئيس أكبر دولة عربية وأطول رؤسائها عمرا في السلطة من بين الرؤساء العرب الذين لا تزال الحياة تدب في عروقهم وعراب أخطر اتفاقية مع العدو الصهيوني غيرت وجهة المنطقة بأكملها لصالح الدولة العبرية، تصب في نهاية المطاف بإتجاه محاولة إعادة القضايا العربية إلى مربعها العربي، الذي تزداد أهميته يوما بعد آخر إثر طوفان من خيبات الأمل التي مني بها المواطن العربي والتي جلبتها مختلف المبادرات الأخرى المتعلقة بالقضية السورية، والتي كان ينقصها جميعا إرادة حقيقية في التغيير في سوريا.تقودنا هذه المبادرة أيضا إلى حديث سابق عن وحدة مخرجات الربيع العربي ونبذ نزعات التفرد بمكونات هذه المخرجات،التي لا يعقل أن تبقى جزرا معزولة بعضها عن بعض، خاصة وأن العناصر المتداخلة فيما بينها تحتل موقع الصدارة في المشهد السياسي العربي برمته، والتي تشكل القضية الفلسطينية فيه رأس حربة كل الحراك السياسي في المنطقة منذ أن تمكنت قوى الاستعمار من زرع السرطان الصهيوني فيها، والذي لا يمكن تجاهله أو إغفاله في أي مستوى من مستويات معالجة الأزمات المستدامة التي تعاني منها مختلف مكونات النظام السياسي العربي، وذلك من منظور براغماتي صرف على أهمية مشاعر الإنتماء القومي العربي.أما إذا أخذنا في الاعتبار وجاهة وجهة النظر القائلة بأن مفتاح التغيير في سوريا عند الحداد الصهيوني لإعتبارات تتعلق بسلمية الحدود الإسرائيلية- السورية وسلامتها، فإن المبادرة المصرية تضيف عاملا آخر تحاول من خلاله مجاراة مزاج المواطن العربي والاستجابة له تحقيقا لبرنامج الثورة المصرية التي وضعت حكومة حزب العدالة والحرية وأي حزب آخر يتربع على سدة الحكم في مصر في المستقبل على محك إختبار ما تطرحه من شعارات بعد أن صار لصوت هذا المواطن قيمة مؤثرة في صعود أو هبوط هذه القوة السياسية أو تلك في إطار الآلية الانتخابية الديمقراطية، خاصة وأن فارق الأصوات كان ضئيلا بين مرشحي الرئاسة اللذان وصلا إلى نهائيات أول إنتخابات نزيهة تجري في مصر ما بعد مبارك. لكن كي تضمن المبادرة المصرية لنفسها أحد أهم مقومات النجاح ، يتعين على القائمين عليها الأخذ في الاعتبار البوصلة التي تسير على هديها المنطقة نحو استحقاق تغيير لا رجعة عنه، ما يعني أنه يتعين عليها أن تولي إهتماما خاصا بقوى هذا التغيير ودعوتها إلى مشاركة فاعلة ورئيسية في المؤتمر المنشود، على خلاف قمة عدم الانحياز الذي عمدت حكومة طهران إلى إغفال هذه القوى وتنحيتها جانبا وكأن ما يجري في دولة مثل سوريا زوبعة في فنجان لا معنى لها، وربما يجدر بهم أيضا وضع شروط صارمة على المشاركين فيه خاصة النظام السوري، كأن يطلب إليه وقف آلة القتل والتدمير إذا كان حريصا بالفعل على المشاركة في هذا المؤتمر العربي. ‘ كاتب فلسطيني