حسن بنشليخة من بين الأفلام التي تنافست على النجمة الذهبية في مهرجان مراكش السينمائي الفيلم التايلندي ‘عودة إلى بيت العائلة’ وهو من أحسن الأفلام التي شاهدناها، من حيث المضمون، لكنه وللأسف لم يحرز على أية جائزة نظرا للتخبط الذي وقع فيه المخرج وضعف بعض المشاهد. و تتبع القصة شقيقتين مبعدتين تجمعهما وفاة والدتهما. وبرع المخرج في جمع شتات لحظات الفيلم التي سبقت وفاة الأم ونقل جسدها إلى قريتها الصغيرة في جنوب تايلاند. وتبدأ القصة عندما تأتي الأم إلى بانكوك لزيارة ابنتها المراهقة بان (Pann) التي تتجنب قضاء الوقت مع والدتها. وتتلقى (بان) في ما بعد مكالمة هاتفية من خالتها التي تخبرها بأن حادثا مروعا حصل لوالدتها وأنها في غيبوبة. وسارعت إلى المستشفي الذي ترقد به ومن هناك تتصل بشقيقتها الكبرى بين (Pinn) ، التي هربت من الزواج منذ سنوات قليلة إلى سنغافورة لبدء حياة جديدة بعيدا عن القيود العائلية. ولم تصل (بين) إلى المستشفى إلا في اليوم التالي بعد فوات الأوان، في حين غرقت (بان) في نوم عميق في غرفة الانتظار، وبذلك تتغيب كلتاهما عن لحظات الأم النهائية.
ثم تبدأ رحلتهما على الطريق باستئجار سيارة إسعاف لجلب جثة والدتهما من المدينة إلى قريتها ومسقط رأسها حيث سيتم دفنها. وعلى طول الطريق يتضح مدى صعوبة التواصل بين الشقيقتين، ويطول الصمت بينهما تتحرك معه دينامية اللقطات القريبة للكاميرا، التي لا حد لها، باعتبارها وسيلة إيحائية لتمرير الأحاسيس أو المعلومات بالتركيز على الوجوه والاستغناء عن كل التفاصيل الأخرى المحيطة بالمشهد الدرامي، بما فيها الحوار، وجعلها خارج حدود الصورة لفسح المجال للمشهد الدرامي فقط بجذب انتباه المشاهد إليه. وتتميز هذه التقنية بنوعيتها في شد الأنظار إلى لغة الجسد المرئية التي تعبر عنها الملامح لتكشف عن روح الشخصية ومزاجها ومواقفها الذهنية. وقد برعت حقا كاميرا المخرج في انتشال قيمة التأثير الدرامي للشخصيتين وأمتعتنا بسلسلة غنية باللقطات المتتابعة الرائعة والصور الجميلة في عملية صناعة الفيلم التايلاندي بتجسيد التوتر الحاصل بين الفتاتين رغم روح دعابة سائق سيارة الإسعاف الذي حاول أكثر من مرة كسر جو التفاقم.
وعندما يتم توقيف سيارة الإسعاف عند نقطة تفتيش للشرطة، تضطر (بين) و(بان) قضاء الليلة في احد الفنادق في انتظار استرداد الوثائق اللازمة التي تثبت موت والدتهما في المستشفى والتي نسياها مع خالتهما. وتبدأ عملية اقتلاع سلك الأشواك بين الأختين، ويتلاشى الغضب ويحل ببطء محله الانفتاح على بعضهما. وتطمئن (بين) ل(بان) وتكشف لها عن سر يخرج من غشاوة حبيس أنفاسها وتصارحها عن سحاقيتها التي تسببت في هروبها من الزواج قبل سنوات خلت. وعللت (بين) كتمان سرها خوفا من صرامة الأهل في التعامل مع هذا ‘الطابو’. ويعد خوض النقاش في مسالة سحاق النساء والتدخين على الشاشة من المحرمات في تايلاند، وصرح لي المخرج بنفسه في حوار أجريته معه بان الفيلم سيمنع منعا باتا على منهم اقل من 18 عاما. لكن المهم في الفيلم هي الرسالة التي يبعث بها المخرج بكل صدق واحترام دون أي أدى نفسي أو شخصي. والفيلم لا ينحصر فقط في نقاش الجنس وتعقيداته بل نشاهد على طول الطريق من خلال الرحلة ضرورة اللحاق بالركب بتسليط الضوء على مواضيع عدة من بينها المخدرات والحرب الأهلية التي تجتاح جنوب تايلاند وتغرق المسلمين والبوديين في العنف. ووصلت رسالة المخرج بأفضل صورة كوسيلة للإقناع في مشهد رتل من المتدينين البوديين وهم يمرون بالقرب من مسجد للمسلمين بكل احترام ووقار. وأجمل ما في الفيلم أن المخرج اعتمد في تصويره على كاميرا الفيديو الرقمية المحمولة على الكتف ولم يكلفه كل هذا الإبداع أكثر من 300 ألف دولار (حوالي 240 مليون سنتيم مغربي) كما صرح لي في حواره.’ ناقد ومخرج سينمائي من المغرب