عودة الجدل حول الموقف الاميركي من الازمة السورية

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافعالامريكيون يحسمون موقفهم بضرورة رحيل الأسد ونظامه. لا، الامريكيون يدعون إلى مفاوضات بين الأسد والمعارضة، ويعملون على بقاء الأسد. الامريكيون أسرى الموقف الإسرائيلي من الوضع في سورية. لا، الامريكيون يؤيدون الموقف البريطاني والفرنسي في ضروة تزويد المعارضة بالسلاح. وهكذا، لا ينتهي الجدل حول المقاربة الامريكي للأزمة السورية حتى يبدأ مرة أخرى. وليس هناك من جديد؛ فمنذ اندلاع الثورة السورية والمراقبون، عرباً وغير عرب، مشغولون بالموقف الامريكي وتطوراته. صرح بعض السوريين، سيما بعد أن لجأ النظام إلى سياسة الاجتياحات الدموية للمدن والبلدات الثائرة، في منتصف صيف 2011، برغبتهم في تدخل دولي ما في سورية. ولم يكن خافياً أن التدخل الدولي ليس ممكناً بدون دور امريكي. في ليبيا، لم يستطع الأوروبيون إنجاز المهمة بدون أمريكا؛ وسورية بالتأكيد أكثر تعقيداً، ليس فقط لأن النظام يحتفظ بأداة عسكرية هائلة، وأن ثمة انقساماً طائفياً في البلاد يصب لصالح النظام، ولكن أيضاً لأن قوة دولية بحجم روسيا، وأخرى إقليمية بحجم إيران، تقف إلى جانب النظام قلباً وقالباً. الولايات المتحدة لم تستمع بالطبع لدعوات التدخل؛ واليوم، وبعد تولي جون كيري مقاليد الخارجية الامريكية، وجولته الأوروبية والعربية متعددة المحطات، يتصاعد الجدل من جديد حول حقيقة الموقف الامريكي.لم يتدخل الامريكيون في سورية، ولكنهم بذلوا جهوداً ملموسة في مجلس الأمن الدولي لإدانة النظام وسياساته، أخفقت في تحقيق أية نتائج ذات أثر بفعل المعارضة الروسية؛ كما شاركوا حلفاءهم الأوروبيين في فرض عقوبات على قيادات النظام وأجهزته الأمنية وعدد من رجال الأعمال الملتفين حوله. ومنذ بدأت دول عربية تمد يد المساعدة للثوار السوريين، المالية منها والعسكرية، غض الامريكيون النظر، بالرغم من إعلانهم المتكرر عن تأييدهم لحل سياسي، يؤمن انتقالاً منظماً وسلمياً للحكم. في نهاية حزيران/يونيو 2012، وبعد إخفاق مجلس الأمن المتكرر في الوصول إلى توافق حول الموقف من الأزمة، توصل الامريكيون والروس إلى ما سيعرف بعد ذلك بإعلان جنيف، الذي أكد على ضرورة تفاوض السوريين، نظاماً معارضة، للتوصل إلى اتفاق حول مستقبل البلاد وفترة انتقالية. ولكن مصير الرئيس السوري، الذي أصبح تنحيه أو إسقاطه هدفاً مبدئياً للمعارضة والثوار السوريين، لم يوضح بصورة قاطعة، وترك لما يعرف في التقاليد الدبلوماسية بالغموض البناء. بعد أسبوع من صدور الإعلان، قال لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي، أن إعلان جنيف يطالب بتنحي الأسد. في مناسبات أخرى، أكدت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون أن على الأسد أن يرحل. ولكن الروس ردوا دائماً بأن مصير الأسد ليس شرطاً للتفاوض، ولن يكون هدفاً مسبقاً له، وأن مستقبل سورية ونظام حكمها لابد أن يترك للسوريين أنفسهم ولما يمكن أن يتفقوا عليه.بهذا، لم يحقق اتفاق جنيف تقدماً يذكر خلال النصف الثاني من 2012. ولأن الولايات المتحدة انتقلت منذ بداية الخريف إلى أجواء الانتخابات الرئاسية، تراجعت المراهنات على الموقف الامريكي بصورة كبيرة. وما إن أعلنت كلينتون رغبتها في التخلي عن موقعها في الإدارة الامريكية، انتظر مراقبو السياسة الامريكية ما يمكن أن يفصح عن الاتجاه الذي يرغب خليفتها في وزارة الخارجية، السيناتور جون كيري، في دفع السياسة الخارجية الامريكية إليه، سيما فيما يتعلق بالأزمة السورية. كان كيري، بصفته رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، مهندس تطبيع العلاقات الامريكية السورية في مطلع ولاية أوباما الأولى، وظن البعض بالتالي أن وزير الخارجية الامريكي الجديد سيتبع سياسة مختلفة عن سلفه. ولكن كيري تحدث في جلسات استماع الكونغرس الخاصة بلغة شبيهة بتلك التي تبنتها كلينتون من الأزمة: إعلان جنيف، تفاوض السوريين، انتقال سلمي للسلطة، وتنحي الأسد. في كانون أول/ديسمبر 2012، في الأيام الخيرة لإدارة أوباما الأولى، ولم تزل كلينتون في موقعها، برز تطور جديد في الموقف الامريكي، عندما أعلنت إدارة أوباما جبهة النصرة، إحدى أبرز قوى الثورة السورية المسلحة، منظمة إرهابية. تتهم جبهة النصرة منذ ظهورها على ساحة النزاع المسلحة في سورية بأنها ليست أكثر من نسخة جديدة للقاعدة، وأن سلوكها في سورية لا يعكس سوى اختلاف مؤقت عن سلوك شقيقتها في بلاد الرافدين، وليس تبايناً في الأهداف النهائية.في جولته الأوروبية والعربية، أولى رحلاته الخارجية الرئيسية بعد توليه منصبه، نهاية شباط/فبراير وبداية آذار/مارس، احتلت سورية مساحة كبيرة في مباحثات وزير الخارجية الامريكية الجديد مع نظرائه العرب والأوروبيين. وقد توقع عدد من مراقبي السياسة الامريكية والمهتمين بالشأن السوري، بعد مؤتمر كيري الصحافي في لندن، بصحبة وزير الخارجية البريطاني، أن ثمة موقفاً امريكياً جديداً في طريقه للتبلور. ولكن التطور الوحيد الذي أمكن تسجيله خلال مؤتمر أصدقاء سورية في روما، بعد أيام قليلة من مباحثات كيري في لندن، كان الإعلان عن تقديم مساعدة امريكية مالية صغيرة للإئتلاف الوطني السوري. أعاد كيري خلال زيارته المتلاحقة للقاهرة والرياض والدوحة وأبوظبي التوكيد على أن إعلان جنيف لم يزل محور المقاربة الامريكية للأزمة السورية، وأن واشنطن تعمل من أجل دفع السوريين للتفاوض، بهدف التوصل إلى اتفاق على المرحلة الانتقالية. بعد أيام قليلة، أوضح وزير الخارجية الامريكي أن ما يقصده هو التفاوض بين ممثلين (مقبولين) للرئيس السوري والمعارضة التي يمثلها الإئتلاف الوطني. وجد هذا التصريح بالذات ترحيباً حاراً من دعاة الحل التفاوضي، سيما الروس، الذين جعلوا من التفاوض غير المشروط ركيزة لسياساتهم تجاه الأزمة. قلة فقط لاحظت أن جولة كيري الأوروبية العربية، وسلسلة تصريحاته حول سورية، واكبت إعلانات منفصلة من بريطانيا وفرنسا تشير إلى عزم الدولتين تقديم مساعدات عسكرية للثوار السوريين، للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة السورية، حتى إن رفضت دول الاتحاد الأوروبي رفع الحظر عن تصدير السلاح لسورية. في 18 آذار/مارس، قال كيري بلغة واضحة أن الولايات المتحدة لن تقف عثرة أمام أية دولة ترغب في تزويد المعارضة السورية بالسلاح، مندداً في الآن نفسه بالمساعدات العسكرية التي توفرها كل من روسيا وإيران للنظام طوال العامين الماضيين. فأين هو الموقف الامريكي فعلاً؟لم تتغير السياسة الامريكية تجاه سورية كثيراً منذ خريف 2011، لا من جهة الفرضيات والأهداف، ولا من جهة المفردات. وبالرغم من التغيير في قمة وزارة الخارجية، فلا يبدو أن كيري سيبتعد عن السياسة التي اتبعتها كلينتون. الأصح القول بأن هذه هي سياسة إدارة أوباما، وأن وزير الخارجية الجديد، كما سلفه، ليس أكثر من معبر عن هذه السياسة في الساحة الدولية. اقترب الامريكيون من الثورة السورية من منطلق تراجع موقع الشرق الأوسط في سلم أولوياتهم الاستراتيجية العالمية، وانتقال اهتمامهم إلى حوض الباسيفيك. وينبع جزء كبير من الاضطراب، الذي يشوب تقديرات الموقف الامريكي، إما من تجاهل هذا التحول في الاستراتيجية الامريكية العالمية، أو في فهم هذا التحول وكأنه يعني انسحاباً امريكياً كلياً من الشرق الأوسط. ما حدث، ولأسباب تتعلق بمتغيرات جوهرية في موازين القوى العالمية، كما في الحدود التي تفرضها الأزمة الاقتصادية المالية العميقة، والمستمرة منذ 2008، أن الصين وجوارها أصبحت منطقة الأولوية القصوى؛ وهو ما يتطلب تغييراً جوهرياً في تقدير واشنطن للحد الأدنى من مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط، وكيفية الحفاظ على هذه المصالح، بأقل قدر ممكن من التكاليف. على أساس من هذا التحول الاستراتيجي في الأولويات الامريكية، لم تكن إدارة أوباما، في أي مرحلة من مراحل الأزمة السورية، على استعداد للتدخل المباشر، لا بالقوات ولا بالجهد العسكري الملموس ولا بالمساعدات العسكرية للمعارضة. والأرجح أننا لن نشهد أي تغيير في هذا الموقف في المستقبل، ما لم يقع تطور كبير ومفاجىء في مسار الأزمة، يمس بتوازنات القوة على المستوى العالمي.ولأن إدارة أوباما توصلت إلى قناعة منذ الشهور الأخيرة لـ 2011 بأن نظام الأسد أصبح فاقداً للشرعية، وأن الثورة ضده تضم أغلبية الشعب السوري، لم تعترض على قيام دول عربية بتقديم مساعدات مالية وعسكرية للثورة، ولا هي بصدد الاعتراض على تعهد دول أوروبية حليفة، مثل بريطانيا وفرنسا، دوراً مشابهاً. وإلى جانب متغيرات الاستراتيجية العالمية، فإن عاملين رئيسيين آخرين، حددا طبيعة المقاربة الامريكية للأزمة خلال الشهور القليلة الماضية: الأول، كان الإخفاق المستمر في مجلس الأمن، وتصميم روسيا على الوقوف إلى جانب النظام، من ناحية، وصعود نفوذ القوى الإسلامية المسلحة في الساحة السورية، من ناحية أخرى. لعب هذا العاملان دوراً رئيسياً في سعي الولايات المتحدة إلى محاولة إحداث التغيير في سورية بطريقة تضمن بقاء الجسم الأساسي لمؤسسات الدولة السورية، سيما في العاصمة دمشق، حيث مركز أغلب هذه المؤسسات، وانتقال الحكم والسلطة في مؤسسات الدولة هذه بصورة منظمة أو شبه منظمة لأيدي عناصر وقوى ‘معتدلة’ في صفوف المعارضة. يرى الامريكيون، وهو ربما تقدير صحيح، أن استمرار المعركة إلى النهاية، سيؤدي بالضرورة إلي تقويض نهائي لمؤسسات الدولة السورية، ولأن جماعات مثل جبهة النصرة تتقدم تدريجياً في ساحة الصراع المسلح باعتبارها الأكبر والأكثر فعالية، فإن استمرار المعركة قد يؤدي إلى سيطرة هذه القوى على سورية ما بعد الأسد. ولا يستبعد أن يكون القرار الأنكلو – فرنسي بتقديم مساعدات عسكرية للمعارضة السورية مدفوعاً بالقلق نفسه من تزايد قوة وتأثير الجماعات الإسلامية الراديكالية. بمعنى أن المساعدات الأنكلو – فرنسية ستتوجه لأجنحة معينة في الجيش الحر (توصف عادة بالمعتدلة)، لتعزيز القوة والتأثير النسبيين لهذه الجماعات.في النهاية، وبكلمة أخرى، ليس ثمة ما يثير القلق أو التفاؤل بأي موقف امريكي مختلف. ولعل مصلحة الثورة والشعب هي في التزام واشنطن بالابتعاد عن الشأن السوري، وبأقل درجة من التدخل في مجريات الثورة السورية. وليس الولايات المتحدة وحسب، بل والحلفاء الآخرين في أوروبا كذلك. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديثqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية