كان هذا أسبوع أبو مازن، وفي واقع الحال السنة كلها. ببطء وبثقة يصبح هذا العجوز الذي كاد يسلم روحه للباري في الأشهر الماضية الشخصية الأساس في كل حدث سياسي وأمني يجري أو يمنع في المنطقة.
في الأسبوع الماضي وصفتُ هنا كيف أفشل أبو مازن وقف النار في غزة من خلال قرار واحد اتخذه بجهاز التحكم من بعيد. فقد رفض تلقي أموال إمارة قطر ونقلها إلى إسرائيل كي تبيع الكهرباء إلى القطاع. وكان بند الكهرباء مرشحًا لأن يكون الإنجاز الأساس لحماس في محادثات وقف النار، وقد أفلت من أيديهم. في غزة تلووا من الغضب، على إسرائيل أيضًا التي تتنازل له بسهولة وبعدم اكتراث كبير جدًا ـ فعادوا إلى إشعال الحدود في النهار والليل.
«أبو مازن سيعرقل كل خطوة مهما كانت»، قال وزير الدفاع افيغدور ليبرمان هذا الأسبوع في مقابلة مع صوت الجيش. ليبرمان محق. ولكن هو وحكومة إسرائيل كانا سيتصرفان مثله، لو كانا مكانه هناك في المقاطعة. هناك خطوة واحدة يطلب أبو مازن فعلها، وإذا نفدت فلن يعرقل شيئًا ـ تسليم القطاع كله إلى سيطرة السلطة بمشاكله وبأجهزته الأمنية، مثلما كان قبل انقلاب حماس في 2007. غزة في نظره أقليم من أقاليم السلطة، وهي تتمرد على الحكم، وطالما تواصل التمرد فستحرص السلطة على تعذيبها.
المصريون هم أيضًا يجن جنونهم منه. فأبو مازن يرفض بعناد التقدم في المصالحة مع حماس، طالما لا تعاد حماس إلى سيطرته. وهو يرفض على نحو خاص الاقتراح المهين لحماس بأن يأخذ على القطاع المسؤولية المدنية ويترك في أيديهم الذراع العسكرية. عناده هذا يسمى شروطًا مسبقة في المفاوضات، وفي إسرائيل غير قليل من السياسيين ممن يتماثلون مع مجرد وجودها.
بعد أن تفرّغ لهز حماس، يستعد أبو مازن لأن يثير أعصاب إسرائيل أيضًا. هو و«العقل» الدبلوماسي رقم 1 إلى جانبه، صائب عريقات. فقد فهما بأنه لن يخرج لهما من حماس أي شيء في الفترة القريبة القادمة. فحكومة نتنياهو لن تدخل إلى محادثات سلام على دولة فلسطينية في حدود 1967. وخسرا منذ زمن بعيد البيت الأبيض أيضًا. ففي السنة الأخيرة سعت السلطة لأن تتقرب من جهات أخرى (روسيا مثلاوكذا الصين). وهبطت في النهاية في أذرع الاتحاد الأوروبي. في نية أبو مازن ورجاله استخدام محكمة العدل الدولية في لاهاي ضد إسرائيل. على ماذا؟ على المستوطنات قبل كل شيء. على قضية الخان الأحمر وغيرها. بهذه الروح ألقى أبو مازن خطابه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وقد رفعوا الدعوى، والآن تنتظر رام الله قرار لاهاي، فماذا لديهم ليخسروه؟!
إلى أين ذهبت التسوية في غزة
بعد أن انهار وقف النار بين إسرائيل وحماس، حان الوقت للسؤال إلى أين اختفت التسوية أيضًا؟ فقد عبرت هذه الكلمة عن رغبة كل الأطراف في إحلال الهدوء والأمن في غلاف غزة مقابل الرفاه لسكان القطاع.
وبالفعل، ليست هناك اتصالات للتسوية، وليس هذا فحسب، بل حان الوقت للكشف عن أنه لم تجر مؤخرًا أي اتصالات جدية لتسوية شاملة في القطاع. فما الذي كان بالفعل؟ ثلاث قنوات أديرت بشكل متواز تقريبًا، ولكن لم تقفز أي منها عن درجة جس النبض إلى المستوى العملي. القناة الأولى هي خطة الأمم المتحدة لتأهيل القطاع، التي نالت أحيانًا التأييد من البيت الأبيض. والثانية هي مبادرة تخصيص منطقة نقية لأحد موانئ قبرص، يحرسها الجيش الإسرائيلي ويستخدمها قطاع غزة للاستيراد والتصدير. والثالثة هي البحث في صفقة التبادل بين إسرائئيل وحماس. وقد جرت هذه المبادرات الثلاث بهذا الشكل أو ذاك في الأشهر الأخيرة ولكنها منذئذ دخلت في حالة من الجمود.
وضع نيكولاي ملدنوف خطة كبرى بمقاييس غزة، تضمنت سلسلة مشاريع عظمى كانت كفيلة بأن تنقذ القطاع من الانهيار البطيء والمؤكد إلى المجهول. إضافة خطوط تسيير للكهرباء التي تبيعها إسرائيل إلى القطاع، وإقامة منشأة تحلية للمياه، وإنشاء مصانع للعمال الغزيين في سيناء. وارتبط البيت الأبيض بهذه الخطة، فجاء كوشنير وغرينبلت إلى القدس وأقنعا نتنياهو بالحاجة الملحة لتأييل القطاع. وكان الاتحاد الأوروبي مشاركًا في الاتصالات ووافق على التبرع بالأموال وبالمعرفة المهنية لرجاله. أما المصريون فباركوا بالطبع ولم ينسوا التذكير بأن المصالحة بين غزة ورام الله هي الضمانة لنجاح الخطة.
لم يخطئوا، ولكننا سنصل إلى هذا لاحقًا. إسرائيل هي الأخرى وافقت على تحريك الخطة، وفي هذه الأثناء ارتبطت بمبادرات متواضعة أكثر على المستوى الميداني. مثلا، تبرع أردني بآلاف المولدات للمنازل في غزة، لتوفير الكهرباء في المدى الفوري، أو إدخال دنانير أردنية بمبلغ بضعة ملايين على سبيل حقن الدم للاقتصاد الضعيف. واستبدلت إسرائيل العملات القديمة والشواكل البالية التي كانت غير قابلة للاستخدام. كما طرحت اقتراحات كبرى كانت حتى بعيدة عن البحث، مثل إقامة قناة جوية بين الدوحة وإيلات، لاستخدام غزة. بضائع ترسل من غزة وإليها عبر ميناء إيلات مباشرة إلى قطر، في ظل التفتيش الدقيق برقابة إسرائيلية. في حماس رفضوا الاقتراح. إمكانية أخرى، أكثر واقعية، كانت في استخدام ميناء العريش بسيناء. هذا الاقتراح أيضًا لم يبسط جناحيه.
لقد أمّ الأمريكيون العواصم العربية لتجنيد المال لخطة إعادة التأهيل، ولكنهم رحلوا بخفي حنين. فقد طالبت السعودية والقاهرة واتحاد الإمارات وقطر بكياسة متشددة ألا يعودوا مرة أخرى. المضيفون أخذوا الانطباع بأن رسولي ترامب يريدان أموالهم، وليس أكثر من ذلك.
شريك ثان لـ «قتل» هذه الخطة كان أبو مازن. فالدور الذي كان له هو أن توجه أموال التبرع إليه وأن ينقلها هو إلى القطاع. في البداية أعطى ضوءًا أخضر، ولكن بعد بضعة أسابيع تراجع عن رأيه؛ فقد فهم أن هذه الخطة لن تخرج القطاع من الوحل فحسب، بل ستنقذ قادة حماس أيضًا من أكثر الأزمات حدة في تاريخهم.
جاكي خوجي
معاريف 28/9/2018