إسطنبول: قال خبراء عرب إن نجاح الانتخابات الأخيرة في تونس يجدد الأمل لدى الشارع العربي في انتزاع الحريات والديمقراطية، عبر موجة ثانية من “الربيع العربي”، ويؤكد أن هذا الربيع باقٍ ما بقي النموذج التونسي في التغيير السلمي.
وأجرت تونس، في أكتوبر/ تشرين أول الجاري، انتخابات تشريعية ودوراً ثانيا من انتخابات رئاسية، أسفرت عن فوز المرشح المستقل، أستاذ القانون الدولي، قيس سعيد (61 عاما) بالرئاسة.
وتمثل تلك الانتخابات خطوة جديدة على مسار انتقال ديمقراطي سلس في تونس، يمثل استثناءً مقارنة بدول عربية أخرى شهدت أيضا ثورات شعبية أطاحت بأنظمتها الحاكمة، ومنها مصر، ليبيا واليمن.
“الغرفة السوداء”
المعارض المصري، رئيس حزب “غد الثورة”، أيمن نور، قال إن “تجربة تونس رائدة وموحية، ليس فقط للشعب المصري، وإنما لكل الشعوب العربية، التي استلهمت شرارة الحرية والثورة يوم انطلاق الثورة التونسية كبداية للموجة الأولى للربيع العربي”.
وأطاحت ثورة شعبية في 2011 بالرئيس التونسي آنذاك، زين العابدين بن علي (1987: 2011)، ومن تونس امتدت شرارة الاحتجاجات إلى دول عربية أخرى.
وأضاف نور: “كانت تونس أكثر رشدا وحكمة وقدرة على التعاطي مع الخلافات السياسية والأيديولوجية، فاستوعبت كل أطراف الجماعة الوطنية ضمن منظومة الانتقال الديمقراطي في مرحلتها الأولى، التي انتهت بالرئاسة الأولى للمنصف المرزوقي (2011: 2014)، وهي مرحلة انتقالية صارعت فيها تونس الثورة المضادة، وانتصرت عليها”.
ورأى أن “قيس سعيد يمثل أيقونة ثورية جديدة تقود المرحلة القادمة بتونس، وهذه الخطوة الانتخابية تأتي متواكبة مع الموجة الثانية للربيع العربي التي بدأت بالجزائر، إلى جوار تونس، وفي السودان، وبدايتها في مصر أيضا”.
وتابع أن تونس “مرة أخرى ستكون شرارة وأملا جديدا للموجة الثانية، كما كانت الملهم للموجة الأولى، وبالتالي انتصار الثورة والربيع العربي مرة أخرى ينطلق من تونس، ولكن لن يتوقف عندها، بل سيمتد إلى دول بدأت بالفعل حراكا ثوريا، كمصر والجزائر والسودان”.
وأطاحت ثورة شعبية، عام 2011، بالرئيس المصري حينها، حسني مبارك (1981: 2011)، وعزلت قيادة الجيش السوداني، في 11 أبريل/ نيسان الماضي، عمر البشير من الرئاسة (1989: 2019)، تحت وطأة احتجاجات شعبية، وأجبرت احتجاجات مماثلة عبد العزيز بوتفليقة، على الاستقالة من رئاسة الجزائر (1999: 2019)، في الثاني من أبريل 2019.
وزاد نور بأن الانتخابات “ستغير أنظمة فاسدة كثيرة انحازت للثورة المضادة، وحاولت إسقاط الموجة الأولى للربيع، لكن إرادة الله أرادت أن تنطلق الموجة الثانية من الجزائر ثم السودان، وبدايتها في مصر، لتعزز تونس مرة أخرى شعور انتصار الموجة الثانية من الربيع العربي”.
ورأى أن “نجاح الانتقال الديمقراطي في تونس سيكون أملا جديدا لكل الشعوب كي تُفّعل إرادتها، وتختار من يحكمها ويمثلها اختيارا حرا عبر صندوق انتخابي شفاف، ولا يأتي الحكام فوق الدبابات كما حصل في مصر بعد الانقلاب، وكما حدث في انقلابات عديدة بالعالم العربي”.
واستطرد: “الربيع العربي تعرض بموجته الأولى لظلم كبير من غرفة سوداء أدارت ما يسمى الثورة المضادة، ولكن انتصار تونس وفشل المشروع الانقلابي في ليبيا، وانتصار الإرادة الشعبية بالجزائر والسودان، وبداية الحراك بمصر، كل ذلك يعيد بريق الأمل إلى نفوس كل الأحرار في العالم كله”.
ومضى قائلا: “إننا إزاء موجة جديدة أكثر وعيا بمسؤولياتها، وربيع عربي جديد.. أعتقد أن نجاح الثورة سيكون له أثر كبير في وجود نموذج تقتدي به الشعوب العربية في قبول الآخر والتسامح واتساع الرحاب الديمقراطي، ليستوعب كل الأطياف السياسية”.
وأردف: “الانعكاس في الدول المحيطة، وخاصة الجزائر وليبيا ومصر والسودان، هو انعكاس إيجابي، ونتمنى أن نرى تجربة رائدة في الجزائر، الذي صمد فيه الشعب قرابة أربعين أسبوعا لتحقيق مطالبه الديمقراطية”.
تصحيح المسار
نبيل البكيري، كاتب ومحلل سياسي يمني، قال إن “التجربة التونسية عظيمة، ونجاح المسار الديمقراطي والخيار السياسي يسجل حالة نجاح كبيرة لثورة بدأت في تونس.. وثورة الربيع العربي”.
وأضاف البكيري أن “بقاء النموذج التونسي رغم الارتدادات بمصر واليمن وسوريا، وبقاء الخيار الديمقراطي، يؤشر على أن خيار الانتقال السلمي الديمقراطي هو خيار الشعوب”.
وزاد: “أعتقد أن بقاء النموذج في تونس يحفظ هذا الخيار للشعوب العربية، ويعظم من أهميته كتجربة واقعية وممارسة تعمل على بقاء جذوة التغيير مشتعلة، كما حصل بالسودان، ونرى احتمالاتها بالجزائر”.
ورأى أن “كل هذه النماذج هي بفضل النجاح التونسي والاحتفاظ بالخيار السلمي الديمقراطي، ولا شك أن هذا النجاح سيعمل على نقل التجارب لبقية الجغرافيات”.
وتابع: “نجاح النموذج التونسي سيعزز موجة المطالب بالانتقال السياسي، وتنتقل إلى الجغرافيات التي فشلت من أجل تصحيح مسار الانتقال السياسي فيها”.
الحراك الانتخابي
فيما قال رئيس مركز عمران للدراسات، الدكتور السوري عمار قحف، إنه “في ظل كل الانتكاسات في حركة التغيير الديمقراطي بالشرق الأوسط، تسطع التجربة التونسية بمزيد من التفاؤل والأمل”.
وتابع قحف: “انعكاسات انتخاب الرئيس الجديد (بتونس) إيجابية في كل الأوساط الثورية العربية”.
وأردف: “هناك موجة من الأمل والتفاؤل سادت الحراك العربي في كل البلدان ذات الصلة، لا أعتقد أنها ستحرك الشعوب، ولكنها بارقة أمل بوجود ضوء في آخر النفق”.
ومضى قائلا: “التجربة بحاجة لأدوات وإنضاج أكثر، ومعرفة الحراك الانتخابي والأدوات والتراكم في تلك التجربة، وهي بداية تجربة ناجحة”.
واستطرد قحف: “هناك آمال كبيرة، ولكن تعليق الآمال الكبيرة قد يسبب إحباطا في بعض البلدان التي تشهد انسدادا في الأفق، مثل ليبيا، مصر، اليمن وسوريا”.
وختم بقوله: “لكن في النهاية هي (التجربة التونسية) منارة للطريق، وتبرز أملا بأن الحراك الثوري وإن لم يثمر في المرحلة الراهنة، فإنه سيبدأ بإحداث تغيير حقيقي كبير على المدى الطويل”.
(الأناضول)