عودة الرجل بالبدلة الزرقاء.. هل يفعلها بيريز؟

حجم الخط
0

يوسي فيرترفي الاسابيع الاخيرة يخرج صوت من مقر رؤساء اسرائيل وعلى لسانه بشائر صاخبة: الرئيس شمعون بيريس عاد في آلة الزمن نصف قرن الى الوراء، الى الخمسينيات، الى الايام التي كان يسمى فيها ‘الرجل بالبدلة الزرقاء’؛ ذاك الذي كان يأتي ويخرج من مباني الحكم في فرنسا مئات المرات، متملصا كالسلحفاة وسريا كالقبر الجماعي، دون معرفة السفارة ووزارة الخارجية الاسرائيلية، مصمما على انهاء المهمة التاريخية التي كلفه بها دافيد بن غوريون، المهمة التي ستبقى الى الأبد مسجلة على اسمه: اقامة صناعة السلاح الاسرائيلي المفتخرة. بيريس أيامنا نحن، كما يهمس الصوت، ليس رئيس طقوس، زيارات عزاء أو خطابات احتفالية؛ فهو يهجم على طاولة الرسم السياسي. وقد عاد الى عنصره الاصلي. وقد عمل على كتابة الخطط، الوثائق والاقتراحات، غير المخبأة في الجوارير بل تشق طريقها الى خلف البحر وتعود من هناك، تدخل وتخرج في طريقها الى رسائل خفية. وهو يعقد لقاءات دائمة مع كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية ومع محافل دولية. وهو يحرق خط الهاتف الرئاسي في مكالمات مع زعماء ووزراء خارجية، في محاولة لرسم ونسج الخطوات. وهو يقضي الساعات في لقاءات مع رئيس الاركان ومسؤولي اسرة الاستخبارات. وهذه ليست لقاءات مجاملة أو ‘وضع في الصورة’، كما يشدد رجال الرئيس بل لقاءات عمل حقيقية. فقد التقى في الاسبوع الفائت مطولا مع بنيامين نتنياهو. في كل يوم احد في الصباح يجلس لساعتين مع ايهود باراك. الرسالة هي أنه توجد مجريات، يوجد نشاط، تحدث امور. من خلف الكواليس تحدث دراما. وان بيريس متجند لترميم المسيرة السياسية، لصد ما يسميه ‘خطر استراتيجي على دولة اسرائيل’ والذي يكمن في استمرار الجمود في المنطقة. الدولة هو ولكن ماذا؟ لا شيئ عمليا يخرج من ذلك. من تحدث مع بيريس في الفترة الاخيرة سمع منه نبوءات غضب قاتمة لم يسبق أن تفوه بها أبدا. ليس فقط عن الوضع السياسي بل وايضا عن وضع الوجه البشع للدولة، عن الاشمئزاز الذي يشعر به من ظاهرة كراهية واضطهاد الاجانب، عن الضرر الفظيع الذي تلحقه باسرائيل الكتب الظلامية للحاخامات. في عمره الكبير، في خبرته الهائلة وفي طريقة تفكيره، يرى بيريس نفسه متماثلا مع الدولة. مثابة لويس الرابع عشر البولندي. وهو يرى أفعال يديه تغرق في البحر. وعليه فلا مفر من السؤال: هل في العام 2011 سيفاجئنا جميعا شمعون بيريس ـ ويفاجئ نفسه فينزع عنه البدلة الرسمية الخانقة، يحطم صفحات البروتوكول المغلقة عيه ويطلق اقواله على الملأ بصوت واضح وبصرخة كبرى؟ غير قليلين يضغطون عليه لعمل ذلك. بعضهم من محافل المعارضة، ممن يلتقون به على نحو متواصل ويناشدونه اطلاق الصوت. ‘أنت الشخصية الاكثر شعبية في اسرائيل، وأحد الزعماء الاكثر تقديرا في العالم’، يكررون له، ‘وماذا يخرج لنا من ذلك؟’ يمكنه أن يدعو نفسه للرئيس باراك اوباما في الشهرين القادمين ليجلس معه ثنائيا ويشرح له بان استمرار اللاشيء السياسي سيؤدي الى انسحاب حزب العمل من الحكومة واقامة ائتلاف يميني اصولي متطرف، ولاحقا، الى الانتخابات. بمعنى، سنة كاملة ستضيع هباء منثورا. بيريس سيقول لاوباما ان نتنياهو يريد ولكنه يخاف، وعليه فإنه هو، الرئيس ملزم بان يزيد الضغط، وان يتسلل الى قلب النزاع، ويدعو اليه الزعماء الى شيء أكثر من مجرد فرصة للصور والتدخل في ما يجري، أي في ما لا يجري، بكثافة أكبر. ‘أخذ رؤوس الزعماء وضربها الواحد بالآخر’، مثلما أوصى أحد أسلاف بيريس، الرئيس عيزر وايزمن، الادارة الامريكية قبل اكثر من عقد. سنة الحسملماذا لا يكون بيريس الرجل الذي سيفاجئنا في العام 2011؟ فهو ليس له ما يخسره، باستثناء نسبة طفيفة من شعبيته في الاستطلاعات. الرجل الذي دوما لاحق محبة الجمهور، تلقاها في السنوات الاخيرة بحقن كبيرة. ولكنه لا يستغلها. وهو يجمعها، مثلما تجمع العجائز أكياس النايلون المستخدمة من السوبر ماركت وتزقها في الخزانة. تبقى له ثلاث سنوات اخرى في مقر الرئيس. ولاية اولى، وأخيرة، كما يفترض القانون. وهو سيعتزل الرئاسة في سن التسعين ونيف. هو لن يتنافس مرة اخرى على رئاسة الوزراء، وان كانت الفكرة لا بد تمر على عقله، واحد من رجاله لا بد سيستدعي استطلاعا سريا ليفحص أي احتمال يوجد لشيمون. يمكنه أن يدعو الى مكتبه ابو مازن وسلام فياض. وأمام الكاميرات من كل العالم، وان يضغط عليهما للعودة الى طاولة المفاوضات. بيبي سيغضب؟ لماذا يغضب؟ فهو يدعي انه لا يوجد شيء يتوق له اكثر من استئناف المفاوضات. بيريس يمكنه ان يدعو نفسه لزيارة رئاسة في رام الله. ويمكنه ان يقول امورا أوضح وأكثر دقة من تلك الاقوال العمومية التي يصدرها بشكل عام في خطاباته، أقوال اذا ما بحثنا جيدا، بين السطور، سنكتشف كم هي متشائمة وتنذر بالشر. اذا كانت هناك شخصية وطنية، اجماعية، مقدرة، سينصت اليها الشعب، فهي بيريس. اذا لم تكن المحادثات التشجيعية الليلية مع بنيامين وسارة نتنياهو مجدية فلعل الطريق الى تحريك رئيس الوزراء للعمل هو من خلال الجمهور. ربما. اذا كان بيريس يؤمن حقا، مثلما يدعي في المحادثات الخاصة، بان اسرائيل ستقف في العام 2011 امام خطر ملموس من العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليها اوروبا، المكانة التي تتمتع بها اليوم فقط دول ككوريا الشمالية وايران، فهل يمكنه أن ينظر الى المرآة في نهاية السنة الجديدة ويقول لنفسه: فعلت كل ما في وسعي كي أمنع هذه المصيبة؟’ماذا تريدون، أنا لست رئيس وزراء’، يقول للاشخاص الذين يناشدونه الخروج من حدود مقره. ‘انا افضل القيام بالامور بهدوء، بالاقناع، بالتوافق. تعلمت بضعة امور في الحياة. أحيانا من الافضل العمل بهذا الشكل، لعدم تشجيع العزال، ومن اجل عدم هدم الصداقات’. منذ سنة وتسعة اشهر بالضبط وهو وبنيامين نتنياهو على صداقة رائعة. رغم الغضب الذي في قلب بيرس من الوعود التي خرقت، والتعهدات التي لم يوفَ بها، ومن العروض العابثة، فانه لا يزال يؤمن بهذه الصداقة. وهو فقط يفسرها على نحو غير سليم. فهو يظن أنها ترمي الى السماح له بعمل امور من خلف الكواليس، بينما عليه أن يأخذ بالحسبان امكانية أن عمليا تخدره هذه وتمنعه من عمل ما هو ملزم بعمله. يحتمل أن يكون الاوان قد فات، وان القطار قد انطلق على الدرب، وان الجياد فرت من الاسطبلات. الساحة السياسية توجد في مزاج انتخابات. السيناريو السائد بين السياسيين هو: في شباط اذار حزب العمل سيخرج من الحكومة. ائتلاف نتنياهو سيبقى عدة اشهر اخرى بمساعدة كتلة الاتحاد الوطني وبعد ذلك الكنيست ستحل. الانتخابات ستجرى، في اقصى موعد، في بداية 2012. هذا هو التقدير المقبول من كل اطراف الخريطة السياسية اليوم. بيريس يعرف كل التقديرات والنبوءات. وهو يعرف ان الزمن ينفد. في الاسابيع القريبة سيتعين عليه أن يقرر اذا كان سيبدل غيار السرعة ويقتحم الى الامام، اذا كان سينقل مركز نشاطه الى قلب المنصة. بعد ثلاثة اشهر، في 31 اذار 2011، سيكون مر على حكومة نتنياهو سنتان. ولاية نتنياهو تتطابق مع ولاية بيريس. ويعتقد الكليشيه بان هذه السنة هي سنة حسم مع ايران او مع حماس او حزب الله او كلهم معا. وهي ملزمة بان تكون سنة حسم لشمعون بيريس.

هآرتس2/1/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية