حققت المقاومة في لبنان انتصارا باهرا وتاريخيا لا مثيل له في تاريخ المنطقة الحديث. انه انتصار له قيمة مضاعفة لنصف الانتصار الذي حققته مصر في 73 لعدة اعتبارات: انه انتصار تنظيم شعبي علي آلة الحرب الاسرائيلية وهو يفتح الطريق امام المقاومة البديلة لانظمة سياسية عربية متورطة في عملية سلام مع كيان يرفض السلام ويعد المنطقة لاحتلال شامل ودائم. وهذا يعني ان هذا الانتصار لن يكون محل مقايضة او ابرام صفقات مع العدو من اي طرف من الطبقات السياسية الانتهازية. فهو انتصار لن تذهب ارباحه الا لشعوب المنطقة ولن تجد اسرائيل اطرافا لرشوتها ولن تتمكن من استعادة هذا الانتصار من مستحقيه كما فعلت مع المؤسسة العسكرية المصرية.
لقد فاجأت المقاومة باقحام ومزج عناصر الحرب النظامية بمقاسات حرب العصابات واضافت الي تقنيات حرب فيتنام التي تعتمد علي خنق العدو في بحر من المقاومين الذين لا تراهم العين المجردة بان مارست خطا دفاعيا تماما مثلما تفعل الجيوش النظامية ولكن هذا الخط الدفاعي ايضا هو خط افتراضي لا توجد فيه تحصينات ولا قوة نار ثابتة ولا جنود ولا عتاد للمراقبة بحيث ان الجيش الاسرائيلي اجبر علي خوض معارك طيلة شهر كامل علي امتداد الخطوط الامامية ولم يتمكن من خلق تلك الثغرة الضرورية لاختراق خطوط الدفاعات المقابلة قصد خلق خط امداد مما اجبره علي دك كل قواه البرية بعد شهر من المعارك دون ان يتمكن من تكوين مساحة امنية لحماية خطوطه الخلفية فكانت معارك السبت 12 اب (اغسطس) وما سمي بمجزرة الدبابات اولي بوادر الدمار الذي سيلحق بتقدم القوات الاسرائيلية دون حماية للخطوط الخلفية.
ان الخطة التي وضعتها المقاومة تنهي بصورة لا تدع مجالا للشك فعالية ما يسمي بالحرب الخاطفة التي وضعتها عبقرية الجيش الالماني في الحرب الكونية الثانية. وذلك باقحام معطي استراتيجي وتكتيكي جديد لمقولات النظم الدفاعية.
وبهذا ستدخل بنت الجبيل وعيترون وعيتا الشعب التاريخ مثل اسم مدينة (كان) الرومانية التي اخترع فيها حنبعل اسلوب الحرب الخاطفة.
وهنا كأنما التاريخ يغلق حلقة من حلقاته. فحنبعل الذي تعود اصوله الاولي الي لبنان هو من اخترع اسلوب الحرب الخاطفة وبقيت علي مدي الالفين سنة المنصرمة مثالا لكل التخطيطات الحربية. من لبنان يتم اختراع انجع السبل لايقاف فعالية الحرب الخاطفة باسلوب مستحدث ورائع.
لبنان اعطت انتصارا باهرا للشعوب المضطهدة سواء كانت عربية او غيرها. اليوم صار ممكنا هزيمة اعتي الجيوش بوسائل سهلة وبسيطة تحتاج الي مستوي عال من التنظيم والابتكار وتفتح للمنطقة مستقبلا جديدا غير ذلك الذي جاءت به من واشنطن ومن باريس.
علينا الا ننسي الاطفال الذين ماتوا تحت قنابل القتلة. علينا ان نحملهم في ذاكرتنا كانما لا يزالون احياء وان نصنع لهم وحدهم مستقبلا وان نحملهم في قلوبنا مثل فلذة اكبادنا فهم وحدهم ولا سواهم كانوا وراء هذا الانتصار.
الامجد الباجي مخرج سنمائي تونسي 6