غاد يئيرفيلم قصير على اليوتيوب يعرض عصبة من معارضي النظام في سوريا وهم يلقون بجثث أفراد الشرطة الى نهر تغمره الدماء، ومع كل جثة تلقى من الجسر الى المياه يهتف أحد ما بين الجمهور الذي يتشكل من الاطفال، الفتيان وكبار السن الله أكبر، الله أكبر. أفلام مشابهة تنشر كل اسبوع. هؤلاء يذبحون اولئك، واولئك يقتلون هؤلاء. الخوف، العنف، الرعب وحمام الدم. يكشف اليوتيوب وجها اجتماعيا فظيعا للربيع العربي، في ظل تمثيله لنظرية عالم الاجتماع اليهودي العلماني نوربرت الياس: الدولة القومية هي شرط وجود الحضارة، بينما تفككها يعرض الناس لانفجارات العنف. ويؤدي ضعف النظام المركزي الى انفجار المشاعر، مما يدفع الدول والشعوب الى التدهور نحو الفوضى، الى مشاهد من العصور الوسطى مخيفة وفتاكة. الربيع العربي، حسب هذه النظرية، يضع الدول التي يجري فيها في اختبار دراماتيكي. نظرية الياس الذي ولد في 1897 وتوفي في 1990 (وفي الحرب العالمية الثانية هاجر الى انجلترا) تتعلق بالتطور التاريخي لاعراف الاداب الاوروبية والضمير الغربي. ففي العصور الوسطى، يقول الياس، تحرك الانسان بين مشاعر متطرفة. في ظل غياب النظام المركزي، عاش ابناء العصر باحساس من انعدام الامن الوجودي. فالانسان كان يعرف بان سارقا يأتي بالصدفة كفيل بان يقتله، ولهذا فقد كان يستخدم بنفسه اساليب العنف. وكنتيجة لذلك كانت المشاعر الانسانية تتحرك بقوة الادرينالين: بين الخوف من الموت والحماسة في ضوء سفك الدماء. وكان الوجود الانساني يحركه البقاء، بانفعال شبه حيواني. في عصر النهضة بدأت عملية تمركز الصلاحيات في أيدي الانظمة الملكية، في ظل تأميم وسائل العنف. والدولة القومية التي صعدت بعد ذلك قامت عمليا على اساس المبدأ الذي يقول انها هي وحدها لديها الحق في استخدام العنف من خلال الشرطة والجيش. ولم تسمح الدولة للميليشيات المحلية بفرض رعبها على مواطنيها وأخذت لنفسها الحق الحصري في اعتقال الناس، معاقبتهم واعدامهم. لقد أظهر تحليل الياس بان نتيجة تأميم وسائل العنف وحرمان الحق في أخذ القانون في الايدي أدى الى تحسين الضمير الانساني. وحل محل الحماسة التي أثارتها مشاهد الدم والدمار حماسة الجمهور في الملاعب الرياضية؛ والخوف الفظيع الذي كمن في كل زاوية اندحر الى زوايا الهوايات المتطرفة. وفي عملية تاريخية طويلة من تأميم العنف خلقت الدولة الحديثة انسانا منطويا على نفسه، يكبت نفسه، مؤدب ولطيف. ولكن من أفضل من الياس يعرف، كما يشير هو، بانه في التاريخ توجد انتكاسات. هذا ما حصل مع صعود النازية الى الحكم في ألمانيا وبعد تفكك يوغسلافيا. وهذا ما يحصل الان في الدول العربية. لقد أكسب الاستعمار الفرنسي والانجليزي الشعوب القبلية والعشائر ترتيبات مؤسساتية حديثة. فقد أمم وسائل العنف القبلية ونصب في رأس شعوب المنطقة حكاما مركزيين. ولكن حافظ الاسد، حسني مبارك ومعمر القذافي لم يستخدموا مبادىء الدولة القومية (المواطنة، المساواة، حكم الموهوبين) واستغلوا حكمهم في صالح عائلاتهم، قبائلهم وعشائرهم. وكنتيجة للاستغلال الفظ للحقوق البروتوكولية، بدأت الجماهير في العالم العربي تتحدى امتيازات النظام. في السنتين الاخيرتين طرأت أيضا ثورة على ملكية الدولة لوسائل العنف. وبدأت ميليشيات منظمة في هوامش المدن، جماعات ارهاب في ضواحيها. نتيجة ضعف الحكم المركزي، بتعابير الياس، هي تراجع حضاري. فالمواطن العربي فقد الهدوء النفسي الذي منحته اياه الدولة القومية، والان يجد كل يوم تحديا جديدا: في الصباح لا يعرف الانسان اذا كان سيعود الى بيته أم أن جثته ستسحل في المساء في شوارع المدينة. في هذه الظروف، في ظل غياب دولة شرعية وفي ظل غياب حكم مركزي يملك السيطرة على وسائل العنف يتحول الانسان الى منفلت، فظ، عنيف وغير متوقع. وهكذا يعود الدم الذي تراجع الى خلف الستار الذي اسدلته الحداثة الى مقدمة مسرح الحياة، الى الشوارع والبيوت، الى المدارس والجامعات. الاختبار الاجتماعي للربيع العربي، بالتالي، ليس من يسيطر في الدولة مبارك أم مرسي، الاسد أم معارضيه. الاختبار هو في مسألة هي سيتغير المبنى السلطوي بحيث لا نعود نرى دولة في ملكيتها السيطرة الحصرية على وسائل العنف. اذا اختفت الدولة المركزية، التي عرفناها في الستين سنة الاخيرة في مصر وفي سوريا، فيمكن ان نتوقع ايضا تراجعا في السلوك الانفعالي للسكان الذين يعيشون فيها. مشاهد الفتك واحتفالات الدم في اليوتيوب تعكس منذ الان مبنى يعود الى جذوره. اذا لم تنتعش الدولة العربية المركزية فسيعيد الربيع العرب الى شتائهم المخيف لعهود القبيلة، العشيرة والسيف. هآرتس 5/2/2013qeb