عكيفا الدار
إن المزاج العام للقيادة الفلسطينية في رام الله قُبيل التصويت في الامم المتحدة المتوقع في ايلول ( سبتمبر) يُذكر بصغير تلقى في يوم ميلاده دراجة كبار. فالولد لا يعرف هل يبتهج أم يبكي. انه شديد الفرح بالهدية لكن قلبه مليء بالخوف من ان يسقط على وجهه أرضا، ويجرح ركبتيه ويخدش الدراجة اللامعة. عندما تمنح الامم المتحدة الفلسطينيين دولتهم هدية، ماذا سيفعلون بالدراجة التي لا يستطيعون ركوبها بثقة الى أي مكان؟ لماذا يحتاجونها أصلا؟ ماذا سيقول صائب عريقات لآلاف الشباب الفلسطينيين المتعطلين الذين فقدوا منذ زمن الثقة بـ ‘مسيرة السلام’؟ هل يطلب منهم مرة اخرى التذرع بالصبر ويعدهم بأن باراك اوباما سيلوي يد بنيامين نتنياهو قريبا؟.
يُبين تقرير جديد عن وكالة الغوث وعمل اللاجئين انه رغم الجهود المدهشة لرئيس الحكومة سلام فياض في بناء اقتصاد زاهر لا يستوي التطوير والاحتلال معا. فالتقرير يشير الى انخفاض حاد في عدد اماكن العمل في فروع البناء (35 في المئة) والصناعة (30 في المئة) في النصف الثاني من 2010، قياسا بالنصف الاول من السنة نفسها. وكبرت نسبة البطالة في المدة نفسها بـ 3.3 في المئة وبلغت 25 في المئة. كيف سيتصرف ضباط فياض عندما يسير عشرات الألوف من الشبان اولئك نحو الحواجز والمستوطنات؟.
يعلم فياض والرئيس محمود عباس ان الجيش الاسرائيلي بدءاً من اليوم التالي للتصويت في الامم المتحدة لن يبدأ طيّ قواته ولن يستدعي المستوطنون شركات نقل. فهما يعلمان انه سيتبين في ايلول (سبتمبر) انهما هدرا آلاف الليترات من وقود الطائرات كي يتلقيا فيتو امريكيا في مجلس الامن ويتلقيا اعترافا لا معنى له من عواصم العالم بدولة فارغة من المضمون. ومن الجهة الاخرى، بعد ان تعترف أكثر من 100 دولة بدولة فلسطينية في حدود 1967، كيف سيستطيعون تسويغ استمرار وجود مؤسسة ‘السلطة’ بفعل اتفاق يمنح السلطة سيطرة كاملة على مناطق (أ) فقط وسيطرة جزئية مدنية (اذا استثنينا غزوات المستوطنين المنظمة) على المناطق (ب)، من غير موطىء قدم في مناطق (ج)، (نحو 60 في المئة من الضفة). كيف ستستطيع دولة فلسطينية ان تكون مقاولا ثانويا للجيش الاسرائيلي و’ الشاباك’؟ هل ستستمر في تلقي هبات من الدول المانحة التي ستوافق على الاستمرار في تمويل الاحتلال الاسرائيلي تحت غطاء ‘مساعدة مسيرة السلام’؟ ومن الجهة الاخرى، اذا نقضوا عُرى السلطة فماذا سيحدث لـ 150 ألفا من عمالها ولأبناء عائلاتهم والتجار الذين يتعلق عيشهم بهم؟ ومن مستعد لتعريض نفسه لخطر تحول الضفة الى غزة؟ كانت الحياة أكثر جمالا وبساطة عندما كان يمكن إلقام الصحف جولة محادثات سياسية اخرى في واشنطن، وملء الفراغ السياسي بتقرير عن زيارة المبعوث الامريكي للمنطقة أو التقاط الصور لهم في مؤتمر دولي.
وهكذا في حين ما يزال عباس عالقا مع مبادرته في الامم المتحدة وما يزال نتنياهو متحصنا عند سياسته الفارغة، يرسل السياسي الفلسطيني القديم أبو علاء (احمد قريع) من مكتبه في أبوديس مخططا جديدا قديما لتخليص الدراجة من الوحل. أسس خطة أبو العلاء هي: عقد مؤتمر سلام على شاكلة مؤتمر مدريد على أساس مبادرة السلام العربية في 2002 وصيغة اوباما المتعلقة بحدود 1967 وتبادل اراض متفق عليه.
ستـُدعى الى المؤتمر، الى جانب الأطراف المشاركة مباشرة في الصراع، دول الرباعية ومصر والسعودية والاردن واتحاد الامارات وقطر وتركيا وايران ايضا اذا استجابت للدعوة. وبفعل المؤتمر الدولي ستعمل لجنة ثانوية دائمة تنعقد كل شهرين أو بحسب الحاجة كي تصاحب تقدم المحادثات الثنائية بين الطرف الاسرائيلي والأطراف: الفلسطيني والسوري والاردني. وفي نفس الوقت سيتم تجديد نشاط اللجان المتعددة الأطراف بشأن اللاجئين (برئاسة كندا)، والرقابة على السلاح (الولايات المتحدة وروسيا)، والمياه (الولايات المتحدة)، والتعاون الاقتصادي (الاتحاد الاوروبي) وحماية البيئة (اليابان). وستعود اللجنة العامة للاجتماع لمراسم التوقيع الرسمي على الاتفاقات في المسارات الثلاثة كلها.
يقول أبو العلاء إن جهات امريكية وعربية واوروبية، وموظفين اسرائيليين ايضا، يُبدون اهتماما كبيرا بالخطة. لكن الجمع بين مبادرة السلام وعقد مؤتمر دولي يثير في نتنياهو ذكريات مؤلمة منذ كان في وزارة الخارجية في حكومة شمير عندما وقف في مركز مصارعة مبادرة بوش الأب الى عقد مؤتمر مدريد وفرض تجميد المستوطنات على اسرائيل. لم يبق سوى أن نأمل ألا يفعل نتنياهو بمبادرة أبو العلاء الجديدة ما فعل في ولايته الاولى لرئاسة الحكومة باتفاق اوسلو.
هآرتس 14/6/2011
ايتان بنتسور pp الرئيس الامريكي باراك اوباما افصح عن عزمه على دفع السلام في الشرق الاوسط ‘بصورة حثيثة وقوية’. نقطة البداية التي شرع فيها حافلة بالمصاعب، الا انها تنطوي على الاحتمالات والفرص الى جانب ذلك. صحيح ان قوة المعارضين لعملية السلام في العالم العربي اقوى اليوم من قوة المؤيدين، ولكن هناك مؤشرات ايجابية مثل مبادرة السلام السعودية التي حظيت بموافقة الجامعة العربية، الى جانب العداء لاسرائيل والتعصب الديني. في كل ما يتعلق بموقف اسرائيل من عملية السلام، توجه الحكومة الجديدة ليس معروفا بعد.
ادارة اوباما ستكون مطالبة ببلورة عملية سياسية يتم توسيع القاسم المشترك للمشاركين فيها، بحيث تتضمن كل الاطراف المنادية بالسلام ويتم ابراز مزايا المعسكر المعتدل. العامل الزمني مؤثر هنا ايضا: كلما تم تسريع العملية ازدادت احتمالات تقدمها. من هنا ستجيد الادارة الامريكية صنعا في اطار هذا الهدف، ان استغلت الثروة السياسية الكامنة في عملية مدريد. عليها ان لا تصغي لمراكز الابحاث التي تكثر من عقد المؤتمرات التي لا تنتهي. من الافضل لها ان تقوم باحياء العملية السياسية الوحيدة التي برهنت عن نفسها خلافا لكل بدائلها الالتفافية التي قادت مواطني المنطقة الى طريق مسدود.
العملية التي بدأت في مؤتمر مدريد في عام (1991) ارتكزت على ساقين: مفاوضات ثنائية بين اسرائيل والفلسطينيين والاردن وسورية ولبنان ومفاوضات متعددة الاطراف في موازاة ذلك حول القضايا الاقليمية. لو اتاحوا المجال لهذه العملية لانتهت بالسلام الشامل القائم على التسوية المتبادلة، والتي لا تكون فيها كلمة التطبيع مجرد عبارة مجهولة بل عالما من المفاهيم المفسرة الواضحة. عملية مدريد ـ التي انحرف عنها الضالون قصيرو النفس والباحثون عن بدائل لتمجيد اسمائهم ـ اتاحت لنا النظر لاول مرة لصورة الشرق الاوسط الجديد المحتملة. هذه العملية هي التي افضت الى السلام بين اسرائيل والاردن والى التعاون في مجموعات العمل الاقليمية، وهي التي تمخضت عن بوابة الحوار والانفتاح التي لم يكن لها مثيل في السابق.
ادارة اوباما ليست بحاجة اذا لإهدار طاقاتها على جهود فارغة حتى تبلور نهجا جديدا من خلال الرغبة في ‘وضع بصماتها’ . عليها ان تعيد عملية مدريد، الساعية لانجاز السلام الشامل والتي تتساوق مع روح المبادرة السعودية، موازنة مطالبها المطروحة.
عملية مدريد بقيادة الامريكيين، يمكنها ان تقود الى تحالف بين الدول المعتدلة المناهضة للاصولية الاسلامية. هذه العملية ستوفر الطاقات المطلوبة للتغلب على الارهاب الاصولي والعداء والتوهان.
يمكن ان يكون لحكومة اسرائيل الجديدة اسهام حاسم في تحريك هذه العملية.
من المهم ان يشفى قادتها من مساوىء من سبقوهم ونواقصهم، اولئك الذين ضيعوا مقدرات وثروات سياسية عزيزة: لو قامت اسرائيل بالمواظبة على عملية مدريد، لما واجهت اليوم المبادرة العربية التي تطرح عليها بصورة حازمة. ان قامت اسرائيل بالتحلي بالفطنة وتمسكت بالعملية التي تتقدم خطوة وراء اخرى بحيث يتم تدارس تطبيقها من خلال السعي للتسوية المتبادلة والاستعداد لمواجهة الارهاب والاصولية الاسلامية من جهة مع النزعة المسيحية الزائفة من جهة اخرى ـ فانها تكون قد مدت يدها لاستئناف عملية السلام.
بامكان ادارة اوباما ان تجلب بشارة استئناف عملية السلام، السائرة في الدرب المعبد سابقا الذي برهن عن نفسه: درب التطبيع الشامل، المتجسد في المسار متعدد الاطراف، مقابل التقدم الثنائي في حل مشاكل المناطق واللاجئين من الناحية الاخرى. الجمع بين العملية على غرار مدريد وبين المبادرة العربية للسلام يمكنه ان يلد اتفاق سلام شامل. مثل هذا الاطار وحده قادر على توفير ضغط عربي شامل، يتيح ظهور شريك فلسطيني لا يعتبر نظرية حماس نبراسا يسير على هديه.’ مدير عام وزارة الخارجيةهآرتس 26 /1/2009