عودة الي قصيدة الارض المرأة والمرأة الارض
خلاخيل العابرة لسماح عبدالله:عودة الي قصيدة الارض المرأة والمرأة الارضالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: كنت أظن زمانا كان الشعراء فيه يقفون خلف تراب امرأة أو تراب وطن قد ولي الي غير رجعة ليس ـ لا سمح الله ـ لعيب مشين في المرأة او الوطن لكن لأن هذا الوعي الرومانسي المكتظ بالبراءة قد ولي هو الآخر، وانقشعت سحابة كانت تصور لنا أفاعيل وأحابيل الإثنين ـ المرأة والوطن ـ علي انها مسرات نبوية وطهرانية حتي لو كانا من الخائنين، لا بأس سنتحول نحن الي ضحايا وشهداء، وقد فاجأنا الشاعر سماح عبد الله الأنور بديوان حاشد لفلسطين صدر عن مطبوعات اتحاد الكتاب في مصر تحت عنوان خلاخيل العابرة ومنذ السطور الأولي لهذا الديوان الذي يرغب في تأنيث أشيائه بشكل لافت، سنجد الشاعر يكتب اهداءة بدلا من اهداء ويقول: الي فلسطين العابرة امام عيوننا بكل هذا الجمال والجلال وإلي محمد الدرة وجيله، الذي يعرف طريقه جيدا ويمشي بكل هذه الثقة الي غده الآتي، الاكثر بهاء.ولا يكل الشاعر عن استبطان امرأته فلسطين بحيث تعود التمثلات الاولي لأبعاد شعرية الريادة التي زاوجت بين مغردتي المرأة والوطن، وهي مزاوجة تستوجب الكثير من التقلبات والتناقضات ليؤكد لنا الشعر والشاعر معا ان ثمة مكانا أثيرا لكلا الأقنومين.ورغم التفاوت الذي يبدو في شعرية سماح عبد الله إلا انه، ومنذ دواوينه الاولي، يتمتع بهذا الحس الرومانسي الرائق والموهوب، غير ان الحقيقة تشير الي تآكل الكثير من هذه العذوبة تحت تأثيرات مختلفة، أولها تجاوز الشعرية الراهنة والقرينة لهذا الوعي الفردوسي فبدت شعرية سماح وسط مشهد جيله ـ الثمانين والتسعين ـ أبعد بخطوات لأنها ظلت متمسكة بالظروف التي احاطت بنشأتها، وثاني هذه التأثيرات تكمن في استنامة الشاعر للأصوات التي تربي عليها، دون بحث دؤوب عن أطواق أوسع للوعي بالعالم معرفيا وشعريا، لذلك التيار الرومانسي المترهل لدي صالح جودت وسلالته التي تناسل منها في الشعرية الحديثة شعراء محدودو التأثير مثل فتحي سعيد وفاروق شوشة ومن تناسل منهم ايضا من شعراء السبعينيات امثال عزت الطيري، وصلاح اللقاني ودرويش الاسيوطي وجميل عبد الرحمن.ومع ذلك تظل شعرية سماح عبد الله ذات بهاء خاص، تؤرقنا بالسؤال الملحاح دائما لماذا لم يكن الشعر في الطريق الذي انشده وينشده الأقران؟ وهو سؤال بالقطع لا محل له لأنه يفترض وصاية علي نص تم إنشاؤه بالفعل ويجب التعامل معه علي كينونته الكائنة او علي حالته وهيئته.نعود الي الديوان وإلي فلسطين ونتوقف امام القصيدة الأولي في الديوان التي تحمل عنوان ـ جنازة بليلة ـ يقول سماح:ٍ البحر الحافييتلصص حول حواف فلسطين،يغمض عيناويفتح عيناحتي ان نام الجند الساهريتسللمن بين بياراتهموكعوب بنادقهميجتاز السلك الشائك.تكاد تكون هذه القصيدة هي الوحيدة التي أقامت حاجزا ناعما بين فلسطين وبين المحاولات الدؤوب لتأنيث شعريتها وتجلياتها المختلفة سواء كان ذلك علي المستوي الانساني أو الجغرافي المرتبط داخل النص بعلامات مختلفة للمكان.سنجد الشاعر في القصيدة الثانية وتحت عنوان ـ الشعر الحافي ـ يستلهم محمود درويش عندما يقول ـ منتصب القامة امشي مرفوع الهامة أمشي، في كفي غصن الزيتون، وعلي كفي نعشي ـ ، أما سماح عبد الله الأنور فيقول:ٍ امشيأمشي حتي نعشينعشي يمشيقافية تبحث عن شعركي تترقص في مشيتهاأم شعروسوف نلاحظ ان التماهي لا يقتصر فقط علي تمثل معني الموت وما تيسر فيه من بطولة وتمجيد لمعني الاستشهاد وقيمته التاريخية بل سوف ينسحب التماهي كذلك علي استخدام بحر المتدارك لدي سماح كما فعل سلفه محمود درويش وهو امر جعل فكرة التطابق لا تدور فقط حول التأثير والتأثر وربما بدت وكأنها أبعد من ذلك.ايضا يعود سماح في القصيدة ـ التالية ليستخدم الشطر الذي استخدمه سلفه درويش ـ ليت الفتي حجر ـ وهو عنوان للقصيدة، وهنا يجدر القول ان سماح ودرويش اخذا شطرهما عن البيت الشهير ـ ليت الفتي حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم ـ ويختتم سماح قصيدته بالقول:شوق الفتييشتاق ينفجرينصب من عليائه كسراويبتاع المواويل الحزينةمن رجال الصبر بالدينارعذاب السمك العريانفبأي آلاء الهوييأتي جميلا مثلما لا ينبغي للناحلالصديانولأي شيءعندما يأتي المسايورق في أضلاعه الزهر؟ليت الفتي حجر.أما في قصيدته حيرة الوالهين فيعود سماح الي سيرته الاولي وتستحيل فلسطين الي امرأة مزنرة، ونيزكية ذات أريج لتستعيد الشاعر ألقا غائبا خلف الغنائية المفرطة التي تبدو عليها قصائد الديوان، يقول سماح:علي حين غرةتمر فلسطين فوق الممرمزنرة بالبنفسجوالتمر حنةوالياسمينيقول الفتي للفتي:أو هذي هي النيزكيةذات الأريج؟.ومع استمساك الشاعر سماح عبد الله بالوزن الخليلي في قصائده يحق لنا أن نتأمل سويا هذا الخلط الشائه وغير المفـــهوم بين النثر والشعر في السطر الشعري الواحد دون ان يكــون هناك ثمة مبررات لذلك، بحيث تبدو الانتقالات العروضية النثـــرية ممثـــلة لنشوز واضح تنفر منه الاذن، ولو كان الشــــاعر قد اقتصر علي الاستخدام العروضي منــفردا أو النثري منفردا لما وقع في هذا الخلط ولا أظن الشاعر كان يقصد الي المزج الذي يمكنه اثراء النص، ولنقرأ ما يقول:ياصاحب البندقيةقفوخذ قدحامن الحليبوخذ تمراوفاكهة.وسنجد أن السطر الاول يقع بين الرجز والمتدارك والسطر الثاني من الرمل والثالث يعود فيه الي الرجز وهي تفاعيل لا تشكل في نهاية الامر دائرة عروضية متكاملة تزيل هذا الالتباس الشعري النثري.يتأكد هذا المعني ولكن بشكل سافر يمثل كسورا عروضية لا تليق بشاعر يتمسك بأداته الراسخة في قصيدة ـ الأقوال الاخيرة لمحمد الدرة ـ حيث يبدأ الشاعر قصيدته بغنائية واقعة وسرعان ما يقع في الكسور العروضية حيث يبدأ بالقول:أنثر عبيركفي هوائي الباقيياوطن الشهداءوالعشاقواعبر أمامي مرة واحدةلأراكحيث تتواتر في السطر الاول والثاني ـ مستفعلن، متفاعلن، فاعل بزيادة سبب خفيف، لكن التفعيلة تنقلب رأسا علي عقب في السطر الثالث وما يليه الي المتدارك غير المنتظم، وغير السليم.يتبقي سؤال الشعر دائما وأبدا اكبر من هذه القراءات المتعجلة التي قد تظلم أو تنصف سماح عبد الله وغيره من الأقران والأنداد، ولأن أشياء غير محصورة تتغير حولنا، سيكون من العار علي الشاعر، أي شاعر، ان يستمريء غيبوبته ويستدفيء بعزلة موهومة مبتورة الصلة بالاشياء الجذرية لذلك صرت انظر بدهشة وغرابة لفلسطين سماح عبد الله الأنور التي تبدو مزنرة بالورد والياسمين، بينما هي في الحقيقة ممرغة في الوحل وتحتاج منا الي بذل الدم قبل بذل الشعر، تحتاج منا الي وعي اكثر حدة ينظر رأسيا الي الجرم وإلي الوجع ولا يكتفي بالتماسه براحة ناعمة.0