عودة فلسطين إلى مجلس الأمن

حجم الخط
9

بعد سجال أممي، جال فيه مشروع القرار العربي إلى مجلس الأمن، الدهاليز السياسية والأمنية للدول الكبرى، عابرا التهديدات الإسرائيلية، مارا بالعواصم العربية، حتى بلوغه أروقة مجلس الأمن، تبدو فلسطين والعرب مرة أخرى أمام عراك مصيري سيحدد طبيعة وماهية الصراع للأعوام المقبلة.
مشروع القرار العربي ولد مستعصيا جدا، وتحوم التوقعات حول التصويت عليه بين يوم الأربعاء أو أول أيام السنة الجديدة، لكن العبرة في التمترس خلف التعديلات التي يتضمنها، وهي التأكيد على عدم شرعية الاستيطان، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية، والإشارة إلى القرار 194 بطريقة واضحة حول حق العودة، إضافة إلى إطلاق الأسرى في سجون الاحتلال.
الفلسطينيون والإسرائيليون والأمريكيون، إضافة إلى الدول العربية، الجميع محشورون في مخرج ضيق، ولن يستطيعوا المغادرة دون كسور وتشوهات.
ففي الوقت الذي تنصب الجهود العربية على ضمان حصول مشروع القرار على تسعة أصوات، تعلن إسرائيل حالة التأهب لمواجهة التصويت، وفي حال حصل مشروع القرار على الأصوات التسعة، وهذا غير مضمون، بسبب تركيبة مجلس الأمن الحالية، فستتأكد اسرائيل أن الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض (الفيتو) الذي لوحت به دائما في السر والعلن، وهذا سيضعها في موقف يجاهد وزير خارجيتها لعدم الوصول إليه، لأنه سيقوض مصداقيتها في الشرق الأوسط كله، في وقت هي في أمس الحاجة لدعم حلفائها العرب وغير العرب.
وقد سارعت واشنطن أمس لانتقاد مشروع القرار، وقالت وزارة الخارجية «إن خطط الفلسطينيين بشأن مسودة مشروع قرار دولي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لا تعالج الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية». وكأن مهام السلطة الفلسطينية الحفاظ على أمن دولة الاحتلال وليس أمن مواطنيها ومستقبلهم.
في هذه اللجة يمكن توقع الأرباح والخسائر للأطراف كافة، فالسلطة الفلسطينية حين تهدد بوقف التعاون نهائيا مع إسرائيل، إذا فشل القرار في مجلس الأمن – وهذا خيار شعبي قبل أن يكون سياسيا – يعني عمليا التحلل من اتفاقات أوسلو، وعدم العودة إلى المفاوضات منفردة.
استنجاد السلطة الفلسطينية بمجلس الأمن، رغم التهديدات الإسرائيلية والأمريكية المفرطة لإحباطه يؤكد للغرب وللمجتمع الدولي في لحظة مصيرية حاسمة، أنها لا يمكنها الاستمرار بهذه الطريقة في التفاوض، وهي بقصد أو بدونه، ستضع العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية على المحك، كما تستجيب لضغوط داخلية، تعاظمت عقب استشهاد الوزير زياد أبو عين، ولا يمكن القفز فوقها.
العالم يدرك أن جلّ الحل والربط في أيدي الإدارة الأمريكية، وليس في مجلس الأمن، كما أن إنفاذ أي قرار أممي قد يتوصل اليه مجلس الأمن لا يمكن تحقيقه دون التزام أمريكي، ومن شبه المؤكد أن التصويت في مجلس الأمن لن يقدم حلا شاملا للقضية الفلسطينية وتداعياتها، لكنه قد يعيد أبجديات الصراع للواجهة، ويعيد العرب إلى القضية الفلسطينية، بعد أن أبعد الربيع العربي الاهتمام بها، فلماذا لا ترمى جمرة غزة مرة أخرى في حضن دولة الاحتلال لتطفىء هي لظاها، وتكون مسؤولة حسب الشرائع الدولية عن المناطق الفلسطينية باعتبارها واقعة تحت الاحتلال. فلم يبق أمام الفلسطينيين عمليا إلا خيار شمشون.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية