عود علي بدء!

حجم الخط
0

عود علي بدء!

عبد الله حرمة اللهعود علي بدء! الهجرة حق مقدس جيل دولوزهكذا صدح الفيلسوف الفرنسي، قبل أن يرمي بجسده، من شرفة رحبة علي رصيف مهجور بالدائرة السابعة عشرة، من مدينة الأنوار.كان جيل، مهاجرا، علي بساط الفكر البشري، قرويا في أودية الديالكتيك المنطقي، ومن ناحية اكسيسوارية، فرنسيا.من فكرته المقدسة ، نهل اليسار، بمختلف فصائله، محيلا الغرابة ، ثراء مرجعيا، لكل من لفظته تجاعيد جغرافية الاستبداد.لكن فرنسا، اليوم، بعد أن هجرتها نخوة الذكاء، تبدو، مهتمة أكثر بتهور ابن الهنغارية، الذي يطمح لقيادتها، دون أن يكلف نفسه عناء الفهم الحقيقي لـ معجزات هذه الأرض، ومعالم اغرائها الدافقة. يريد لشعب، اعتنق قيما سطرت علي حد سيف 1789، أن يقتصر علي جباية تمنح الأجساد الحق في الحصول علي شبر من أرضها الواسعة.يبدو أن وصول أبويه خطأ الي أرض روسو، لم يتجاوز حدود متعة المعدة، القادمة من أرض الجلمود الباهت.. ہہہبعلبة سجائر وديوان المتنبي استعنت علي هجرتي نحو الشمال قبل عقد من الزمن. ساعتها لم أتصور أن جزءا من ذاكرتي قد بقي ها هنا؛ ولا أن أمي ومعلمي وبعض أصدقائي، وهيبة وطن جدتي قد يختارون الغرق بدل ركوب الطوفان. كان حلم الحرية وحده اللغة التي يصغي اليها غروري المعرفي! علي عجل مكثت بمنفاي: حرا كالتمثيل الفلسطيني بمجلس الأمن، رائقا كالآثار الفرعونية باللوثر، مجهولا كالجنود السود الذين حرروا العالم الحر . المهم؛ أني عشت، فأحببت ثم أنجبت.. فجأة في عتمة منفاي؛ متزحلقا علي جبال الألب، علمت بأن من كان السبب في نفي المتنبي وجزءا من جسدي قد زال. من الثلج المتناثر كفرحة ابنتي كلما شرعت في حصة الرسم الأسبوعية مع بابا، أقبلت علي الضحك الصامت. فهمت مرة أخري أني سأعود حيث بدأت.. قلقا رفقة دمية ابنتي وديوان صديق جديد أتأبطه خلف جوازي المفقود! لكني أهملت مكرها تفاصيل وصل من طفرته تشكل جزء ذاكرتي الذي غاب عن رحلتي المغمورة! معتذرا بعد أربعة أشهر، أقول لأخي بعد أن احتقنت صداقته: فليحفظك ربنا الذي في السماء، ولترعاك روحي في كل مكان، فالغائب كما كانت تقول جدتي: حجته معه ، ولأني أمامك تتهاوي كل حججي، دعني أسرد عليك فصول غيبتي علها تشفع لمن غاب واعتذر. ہہہعزيزي أمجد، باسمك سألت معشوقنا الأول عن رحلته السيزيفية في أرض الملثمين: هل للشعر أن يهدأ؟قصدتك حافيا بصدر ما احتضن!بحق العيس؛ دع لنا منك قدما.فيافيك أحيت العدم وربيعك ما زال ينتظر.هل بجمالك فقدت النظر؟روعتك أهدت اليائسين سقرا مرتجلا.أيها الشعر: هل أنت شاعر بما تشعر؟أم أنك عصي؛ تأتي النبل لهواة السقم؟تصورتك لوحة اكتسحتها مثلثات رماديةومربعات بنية! تبدو قد أخذت شكل المربع.ہہہعزيزي أمجد، عن وطني فتشت في ثنايا القطيعة:عنه سألت الرمال؛ والشمس البازغة من غمام الغبارتوسلت هيكل الشرطي المتربص لصر رمادهجادلت الناظم الغارق في احتساء غسيل المعلقاتطاحنت الملتحي الخارج من قمقمه دون كسره.راقبت الفتاة الطائفة بكعبة أفخاذ الدجاج.أمعنت المراهق المرابط بنهم طموح أمام قاعات الأعراسفي أحيائه فتشت عن طعم الصبي ورائحة الطيشعن أحلام التغيير وعن عترة الرافضين عن الشعر، عن الحياة، عن شيء من أشياء شلتي الثمينة.سرت وحدي وتأملت من حولي فاذا بالقطيع:استعاد الترحال علي متن صفائح تقطر صدءاواصلت السير وطفقت أتغني رأفة بروحي.ہہہحلمت جدتي، بأن فاطمة، ابنتها الوحيدة؛ ستلد بعد الحمل خالدا، وتحمل لتلد حمزة؟ أمي، فزعت بحلم لاله؛ فلم تشأ تصديقه، لأنها منذ أربع سنوات، قررت مع أبي الاقلاع عن الانجاب! فجأة بدت المضغة؛ تلحق العلقة، بكل فرح، استعد الجميع لزائر، حضر علي غير موعد! ليلحق بالوجود، نفس اليوم، من نفس الشهر، الذي ولدت فيه؛ وأبي يحضر البكالوريا.قررت أمي، اعياءا، أن تسميه خالد وحمزة! كان الوحيد الذي قدس جسده، لم يضرب أبدا، ولم يرغم. دلع لأنه، الأخير، الذي أرضعت آخر جرعات الحنان، وحلفت باسمه، بدل والدها، الذي لم تر أبدا! لقد كان، رطبها، وحليبها، حضنها، وعسلها الجارف، الذي في سبيله، تجرعت مخاضا ثنائيا؛ ربما سهل القضية؟المهم، يا عزيزي، أن أم حمزة، رحلت ـ ربما قلقة ـ علي مستقبله؟ لها أقول: حمزتك الخالد، انتزع، وبكل شجاعة، بعيدا عن كل أترابه، البكالوريا، لتتعالي الزغاريد، حاملة فوق الرؤوس، بطلك الجديد، الذي أصبح يتقن العربية بعد الفرنسية، ينطق الألمانية، ويتغزل بالانكليزية، بالاسبانية يتسوق، وبالحسانية؛ يحبك، بكل اعتزاز. أتصورك قلــــــقة عليه! لا داعي: لقـــــــد طالت قامته، واتسع جبينه؛ فمنك ورث جمال و اغراء العينين، وأناقة اليدين، فصاحة اللسان، وتفاصيل أخري….ہہہبما أن رحيلي، لم يكن اختياريا، خلافا لعودتي، فقد شرعت في تتبع آثار من كان السبب، عل الحكومات الموريـــــــــتانية المستقبلية، تفهم ضرورة ايجاد حل لأسراب المختلين عقليا، المختلـطين ببقية المواطنين من أناس عاديين! وبعد أحاديث مطولة مع أجيال عدة، تمكنت من تدقيق شذرات من البدايات الأولي لولد الطائع، ليطمئن من غلط في حقهم علي أن الرجل لم يكن أبدا عاديا:في احدي ليالي الشتاء الباردة بمدينة روصو المطلة علي نهر السنغال، الفاصل بين موريتانيا وجارتها الجنوبية، كانت توجد احدي أقدم المدارس الاستعمارية، والتي آوت الطلاب القادمين من باقي مناطق البلاد، حيث توفر لهم الاقامة والتعليم المجاني.مباشرة بعد تناول العشاء، لجأ الأطفال الي غرفة النوم الجماعية، حيث أخذ كل موقعه في سريره.. لتدخل القاعة في سكينة الظلام؛ الذي ما لبث أن قطعه صوت مبحوح تعود تقليد مواء قط جائع! لكن المقتصد الذي صمم علي كشف من يختبئ خلف هذه الألفة الرتيبة، أشعل الضوء و القط في المنعطف الأخير من دورة المواء الثانية! ليسحبه بأذنه اليسري نحو مكتبه. وبعد أن أقعده مطمئنا سأله بلباقته المعهودة: هل من حساب بينك والقطط؟ وما الغرض من اشهاد زملائك في هذا الوقت بالذات؟ رد التلميذ الصامت منذ بداية الدرس: كنت أريد التأكد من قدرتي علي امــتلاك النبرة المغردة للقط!كبر الطفل الذي كان ضعيف الجسم والعقل حسب ما نقل عن مدرسه الأول، ليلتحق بالجيش بعد أن حصل علي البكالوريا بترتيب تفوقه من أصبح لاحقا أول طبيب نفسي بالبلد، ليتفوق هو بدوره علي الأخير من اللائحة، والذي أصبح فيما بعد أحد معاونيه…في بداية السبعينات، كان الطفل الذي أصبح ضابطا، في طريق العودة الي منزل أصهاره مرتديا بزته العسكرية، فاذا بشلة من المراهقين فرغت للتو من متابعة فلمها الهندي الأول.. تبعه المراهقون بتقليد منضبط للمشية العسكرية، ليتوقف محتشما بعد أن استل ورقة نقدية من جيبه الخلفي وسلمها لأطولهم قامة دون أي اشارة الي تقاسمها… عزيزي، كنت قد بكيت، معلمي الأول، حبيب؛ فتعودت مدامعي علي مخاطبته، كلما حدث شيء في حياتنا الرتيبة بعده! تلكم طريقتي في التواصل مع شخص ما زال حبه يسكن قلبي النابض علي وتيرة القلق! دعوني أتصوره بأجنحة قميصه المقلوبة الي منبت ذراعيه، سيجارته النافرة تحت قبضة قواطعه الجميلة، ساقيه المرتخيتين علي مكتبه الخشبي، أصابع يده اليسري مداعبة شعره الأسود الخفيف؛ واليمني تحتضن كأسا من عصير الشاي… فجأة تستوي قامته، وتبحث عيناه عن حذائه، في زوايا القاعة الكبيرة. يتخلص من كأسه، لتلحق سبابته بقراءة طرية لبيت كان المتنبي قد أودعه جزءا من نخوته. رحل الحبيب: ترك قلمه! ذهب؛ اختفي، الجماللم يبقي للكلمة الا أن تدمعوللأمل أن يتريث. هكذا رحل بعل تقله! له نقول توت، والبناتأمانة في أعناق كل المشتغلين بالحرف من بعدكعلي ضفاف العدم سقطت القدموعلي شاطئ الرحمة بكي الغضبفجأة ظهر القمر، وعلي حافته رحل الضجر.يا من رحل علي مهد الغضب: عش؛ علك تلحق بحدائق عدن عليك حزنت كثيرا: أرجو أن يكون مثواك الأخير بك أكثر رأفة من قبائل الغبار والأكاذيب.من كل قلبي أهديك من الصمد اثني عشر، ومن الورد كل حدائق الحمراءنم قرير العين، فقد رحلت كما كان آباؤك يرحلون. في كل يوم نستحضر ذكراك، لنطلعك علي أخبار صاحبة الجلالة. فكي توقف تهكمك، أخبرك أنه رحل، وعلي ظهر دابته حمل ماكنة المصادرة، ثم الحزب الجمهوري.بعد أسابيع من رحيله، لحقت به المادة احدي عشرة، وكل الراقصين علي شفرتها…هكذا، عزيزي، حكم علينا بالهجرة، حتي داخل أوطاننا، لكن تطلعنا لعالم المحبة والحريات سيبقي الزاد الوحيد في هذه الهجرة التي تبدو أبدية. كاتب من موريتانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية