عولمة التدين ورأس المال منذ محمد علي وحتي الآن وكيف تعاملت الدولة المصرية الحديثة مع الأديان؟
نبيل عبدالفتاح يعيد ترتيب أولويات الإصلاح السياسي والثقافي في كتاب جديد:عولمة التدين ورأس المال منذ محمد علي وحتي الآن وكيف تعاملت الدولة المصرية الحديثة مع الأديان؟القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، صدر للباحث والكاتب السياسي نبيل عبدالفتاح كتابه الإسلام والديمقراطية والعولمة والكتاب يستكمل حلقة متصلة من الجهد الدؤوب الذي يواصله عبدالفتاح، لا سيما بعد كتابه المهم سياسات الأديان ، الذي صدر قبل حوالي عامين، ثم أعادت الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعه في العام الماضي.يبدو عبدالفتاح مشغولا بفكرة أساسية يستهدف الربط والتقييم المباشر بين تجليات الفكر العربي والاسلامي في صيغته المصرية، وبين أطروحات العولمة وما بعد الحداثة، وتبدو المحاولة مختبرا يؤسس له عبدالفتاح عبر مدرسة الليبرالية المصرية، التي تنطلق من اعادة الاعتبار لقوة العقل النقدي المتعدد لذلك فهو لا يألو جهدا في اعادة النظر في الكثير مما يراه معوقات فكرية وحضارية للانخراط في العالم الجديد، وفي الوقت نفسه لا يتجاهل إشكاليات أساسية مربكة مثل الأصالة والمعاصرة، ومسألة الآخر، وكذلك مسألة الهوية.يتضمن الكتاب الجديد لنبيل عبدالفتاح خمسة فصول الأول هو الإسلام والديمقراطية والعولمة، الحالة المصرية ، والثاني القانون الفرنسي لخطر الرموز الدينية: أحجية وراء الحجاب، محاولة لتفسير ردود أفعال غاضبة والثالث: لماذا نجح الاخوان المسلمون في انتخابات عام 2005 في مصر؟، والرابع: الدولة والدين والاصلاح الدستوري، اعادة التفكير في علاقة مركبة، أما الفصل الخامس والأخير فهو: الأزمات الطائفية: الجذور ـ المتغيرات ـ المعالجات، بالاضافة الي باب كامل لعدة وثائق لا تقل أهمية عن سياق الكتاب نفسه، أولها نص قانون الحريات الدينية الدولية الصادر في تشرين الاول (اكتوبر) 1999 عن الكونغرس الأمريكي ونص تقرير لجنة تطبيق العلمانية في الجمهورية الفرنسية، وتقرير الإخوان المسلمين عن المرأة المسلمة في المجتمع المسلم وكذلك الشوري وتعدد الأحزاب وكذلك قدم الكتاب البرنامج الانتخابي للاخوان المسلمين.ومنذ مقدمته للكتاب يؤكد الكاتب نبيل عبدالفتاح أن عمليات العولمة باتت تشكل جزءا من التحولات الموضوعية في عالمنا، ومن هذه الزاوية يتم طرح السؤال المقابل ما الذي يجب علينا أن نفعله للمشاركة في هذه التحولات الموضوعية؟ وفي هذا السياق يقر عبدالفتاح بالمرجعية المؤثرة للإسلام كعقيدة وحياد في ما يسميه ديناميات السوق العولمة للأديان الأخري، ومؤسساتها وخطاباتها وآلياتها ونزاعاتها العديدة .ورغم تسليمه بصعوبة الممارسة البحثية في هذا السياق إلا أنه يعترف في صلة الأول بعدد من الحقائق التي بدت علي السطح ولا يمكن انكارها لا سيما بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) مثل حجم التغير النوعي في السياسات والاتصالات الرقمية، وانعكاساتها علي عمليات التحول العولمي المتسارع، وكذلك تجاوز ظاهرة العولمة للمصطلحات القارة والتي باتت تشكل نوعا من السرطان الماضوي.في الوقت نفسه يناقش الاسلام المصري بين الضغوط العولمية، وأوضاعه الداخلية وإشكالياته .وفي الفصل الثاني يحاول نبيل عبدالفتاح قراءة الأسباب الكامنة وراء ردود الأفعال الغاضبة من قانون حظر الرموز الدينية في فرنسا، لا سيما أن ذلك كان شاملا كافة الأديان، ويتساءل عن دلالة ذلك في اطار العلمانية الفرنسية كقيمة مؤسسة للدولة والجمهورية في علاقتها بالأديان.فيما يتعلق بالحالة المصرية يري عبدالفتاح أنه لم تتحول القضية الي أزمة خطاب حادة لأسباب أولها أن الحضور الاسلامي البشري والثقافي والديني لا يجد جذورا عميقة في الهجرة داخل فرنسا وأوروبا عموما، وكذلك تحول أوروبا وأمريكا الي حاضنتين لقادة وكوادر الجماعات الاسلامية السياسية الراديكالية وقد رفضت بعض الدول الأوروبية في السابق تسليم عديد من هذه الكوادر للأجهزة الأمنية، أما الجديد الذي يراه الباحث في مشكلة الحجاب فيتعلق باحتقانات بعيدة تماما عن الموضوع الذي اثار المشكلة، ويرصد عبدالفتاح من هذه الزاوية عدة متغيرات مهمة يراها خلفية حقيقية لهذه الأزمة مثل تفاقم مشكلات البطالة وعسر الاندماج دخل بنية بعض المجتمعات الأوروبية وفرنسا علي وجه التحديد، وكذلك شيوع أشكال عديدة من التفكك الأسري داخل بنية الأسرة العربية ـ الاسلامية، وضعف تمثيل الاسلام داخل المؤسسات السياسية والحزبية، وكذلك انفجار مشكلات الهوية، والموقف السلبي من جسد المرأة وسفورها وتغير الخطاب الديني لبعض المراكز الثقافية الأوروبية بسبب قيام بعض الدول النفطية مثل السعودية بتمويل هذه المراكز، وعلي المستوي المصري يصف نبيل عبدالفتاح موقف شيخ الأزهر بالمواءمة ويقول انه تعامل مع الموضوع باعتبارات ثلاثة أولها الفرض الديني الذي يلزم بالحجاب بصفة عامة، والضرورة وهو حياة المرأة في ظل نظام غير مسلم ونظرية السيادة أي حق الدولة في تقرير نظامها دون تدخل من آخرين.وفي فصله عن الدين والدولة والإصلاح الدستوري يتناول نبيل عبدالفتاح تاريخ العلاقة بين الثنائيتين منذ دولة محمد علي باشا والخديوي اسماعيل، ويرصد الخروج علي قواعد الحدود في الشريعة لا سيما في قانون العقوبات والاستناد الي بعض القواعد القانونية الحديثة، ثم جاء اسماعيل ليستعير القوانين الأوروبية، وقد كان مولعا بتحويل مصر الي قطعة من أوروبا، وكان الهدف دمغ الاقتصاد المصري في اطار منظومة الرأسمالية العالمية، ثم يتناول عبدالفتاح بالتفصيل ما أخذته القوانين المصرية عن منظومة التشريع العالمي واعتمادها تحديدا علي المصادرة الغربية لا سيما فيما يتعلق بتشريعات الأحكام المدنية، ويتناول الكاتب السجال الواسع الذي دار حول اصدار القانون المدني ودور واحد من أهم واضعيه وهو الدكتور عبدالرازق السنهوري. ثم يتناول ثورة يوليو وعلاقتها بالأديان في السياسة ويعتبرها نقطة تغير سياسية واسعة المدي في علاقة الدين بالدولة وذلك ـ حسب عبدالفتاح ـ بالنظر الي الصراع السياسي الضاري الذي تم بين جماعة الاخوان وبين نظام يوليو، ثم يقول ان موضوع الأديان بعد الثورة بات أمرا خاضعا للسلطة الحاكمة وسياساتها فضلا عن أنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من سياسات الهيمنة الأيديولوجية، ويتناول في هذا السياق مشروع دستور 1954 ثم العودة الي النص علي أن الاسلام دين الدولة في الدستور الصادر في 23 حزيران (يونيو) 1956 ثم عودة السادات بالصراع الي الخلف بمحاولة تديين الصراع كله.يتناول عبدالفتاح بعد ذلك الدين والدولة ومشروعات الاصلاح السياسي في اللحظة الراهنة، ويتناول الضغوط الخارجية في هذا السياق، ومطالب الاصلاح الداخلي وعلاماته، والتصورات الاصلاحية في الدولة والأديان وفي فصله الأخير يتناول الأزمات الطائفية: الجذور ـ المتغيرات ـ المعالجات ويعود عبدالفتاح بالمشكلة الي جذورها في التعايش الديني الاسلامي المسيحي في مصر، ويتناول كذلك المحاولات الأولية للتعامل مع الأزمات الطائفية وينتهي الي عدد من المقترحات للحل في الأجلين القصير والمتوسط ومن المقترحات التي يسميها نبيل عبدالفتاح بنائية لحل في الأجل الطويل: منها تدريب المدرسين واعادة تأهيلهم علي ثقافة المواصلة والحريات ولا سيما التدين والاعتقاد ومباشرة الشعائر الدينية والتسامح والقبول بالآخر، وإعداد مناهج جديدة تدرس من مرحلة رياض الاطفال وحتي التعليم الجامعي والعالمي.ويضيف نبيل عبدالفتاح الي هذه الأطروحات ضرورة اعداد دراسات عن تاريخ الأزمات الطائفية وأسبابها، وتدريب المؤسسات الأمنية واصلاح المنظومات القانونية التي تشكل قيدا علي حرية المواطنة، وتجديد أواصر الاندماج القومي في ضوء ثقافة المواطنة ودولة القانون الحديث.يقع الكتاب في 365 صفحة من القطع الكبير وصدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان.0