عوني كرومي: قبل أن يُهال التراب
أكثم سليمانعوني كرومي: قبل أن يُهال الترابالمقبرة الفرنسية في برلين: مئات البشر والألوان، لا يجمع بينهم، لا يجمع بينها، إلا أن المسجي داخل مبني الكنيسة الملحقة بالمقبرة وسط التراتيل هو عوني كرومي. همهمات تدور بين من جاء من مسرح أو سفارة أو محطة أو زقاق أو بيت أو صحيفة أو مرسم أو مقهي أو جامع أو كنيسة، أو متجه إلي هناك. تدور الهمهمات، تدور وتدور وتدور، ثم تعود هامسة وبصيغة تكاد تكون موحدة، كأن ناطقها يتلفظ بكلمة السر الساحرة: إنها أمنية المرحوم .. هنا يرقد برتولد بريشت .. وهاينر مولر ، ولا يخلو الأمر من التفاتة حذرة تتبعها كلمات من قبيل: لم يكن الأمر سهلا، فالألمان لا يمنحون سنتيمترا واحدا في هذه المقبرة لأحد إلا بطلوع الروح . طلوع الروح؟ أليس هو الموت؟ ليس بمنطق المسرح، مسرح عوني كرومي: هنا الموت فقط حين يُطفأ النور، حين تُسدل الستارة ويخرج الجمهور. وما دام الكل موجودين فإن الروح ما تزال في المكان، في الفضاء، كما كان يروق له أن يقول كلما تحدث عن مكان اسمه المسرح، اختار العيش فيه… وأيضا الموت فيه، حين سرق للمرة الأولي والأخيرة في تلك الليلة البرلينية الدور الرئيسي من ممثليه وأصبح مسافر ليل .المقبرة الفرنسية في برلين: ملايين القطرات الصغيرة تقرر فجأة ودون سابق إنذار مغادرة الغيوم. يهطل المطر بغزارة مع انتهاء الكاهن من أناشيده. هل تصل الروح في لحظات كهذه إلي هناك بعد الاطمئنان الي أن كل شيء هنا علي ما يرام؟ لكن ليس كل شيء هنا علي ما يرام: يتململ أحدهم تحت المطر الغزير ويهم بالهروب إلي مكان تظلله الأشجار. يلكزه ممثل كردي أن إبقَ هنا، يقول له: هذا المطر خير. لو كنا في بغداد كان يمكن أن تسقط قذائف علي الجنازة لا أمطار . بالتأكيد، بكل تأكيد، .. فالجنازة لا تراعي حتي التوزيعة العرقية والطائفية ولا تمت بصلة لا إلي عراق الأمس (الإعدام مع دفع الأهل ثمن الرصاصة) ولا إلي عراق اليوم (القتل المجاني علي حساب متبرعين مجهولين). في عراق الأمس اختار عوني محاربة الحرب علي الطريقة البريشتية: الكتابة عن الوردة. وحين ذبلت الوردات غادر المكان. لكنه صبيحة الحرب الأخيرة أحس بأن الذبول زحف إلي شرايينه هذه المرة وهو يدور حول نفسه، ويتظاهر بصمت في شوارع برلين. أطال اللحية وصار يردد مبتسما بمرارة: لم يبق لي إلا بضع سنين .المقبرة العراقية .. الفرنسية .. في برلين .. لا يهم: ثلاثة وجوه، شابان وصبية، تحيط حانية مرفرفة بسواد الأم الدامعة. ثلاثة انتصارات شخصية صغيرة، في عالم ملأته أمهات المعارك والهزائم والطوائف. لم أترك لهم شيئا، المال لا يهم، رأيت منه الكثير حين كنت في العراق … ، اعتاد ترديد تلك الكلمات واعتاد الآخرون التماع عينيه قبل أن يكمل: … ربيتهم أن يصبحوا لا كما أريد، بل كما يريدون .. . لكن، ومهما قال أو لم يقل، فإن أسماءهم تختصر مسيرة أحلامه العراقية: حيدر ، حلم القوة والنصر؟ علي من؟ والذاكرة الطفلة لا تختزن إلا دوي القنابل القادمة إلي عراق الثمانينات من جهة الشرق؟. سيف ، حلم الاشتباك والمعركة؟ مع من؟ وفي ثلوم السيف تفاصيل إلياذة المنفي الأردني والألماني، بعدما جاءت قاذفات عام واحد وتسعين من كل الجهات؟ رؤي ، نهاية المطاف؟ هناك حيث يحط الفارس الرحال، يستسلم لرؤاه وجنته الأخيرة؟ لن يجيب ولا حتي باستعارة بريشتية، فالخشبة ومدرجات المسرح أضحت مزيجا من البشر والألوان وقطرات المطر. وخلف النعش رفرفت ثلاثة وجوه، شابان وصبية، تسند دموع الأم المتشحة بالسواد، وتودع جثمان الأب الدي يتهادي عبر المقبرة الفرنسية في برلين، ملفوفا بعلم العراق.كاتب من سورية يقيم في برلين0