عيد العراقيين أطفال بلا فرح وجثث مجهولة وخوف يجبر الناس علي البقاء في منازلهم
أقسي الأعياد في تاريخ أهاليهم وعائلات مهجرة بلا عناوين وفقراء يخفون حاجتهم عيد العراقيين أطفال بلا فرح وجثث مجهولة وخوف يجبر الناس علي البقاء في منازلهمبغداد ـ القدس العربي ـ من هاني عاشور: لم يفرح أطفال العراق بالعيد كما حالهم في الأعوام السابقة، فلا ملاعب أطفال ولا لعب ولا حدائق عامة أو متنزهات يذهبون اليها، عائلاتهم آثرت أن تظل في بيوتها خوف تصاعد موجات العنف، بعد ان كانت الأيام الأخيرة من شهر رمضان تسطر قوائم جديدة لاسماء ضحايا جدد ينتظرون من يتسلم جثثهم في مشرحة الطب العدلي في بغداد، فيما كانت هناك مئات وربما آلاف الجثث مجهولة الهوية دون أن يسأل عنها أحد، وتنتظر شاحنات نقل الموت لحملها الي مقابر مجهولي الهوية.ربما يكون هذا العيد هو أقسي الأعياد وأمرها التي مرت في تاريخ العراق، فصباح اليوم الأول منه كانت هناك قرابة ثلاثين جثة تم العثور عليها ويعد هذا الرقم من اقل الأرقام خلال شهر تشرين الأول (اكتوبر) الجاري، لكن موجة اغتيالات تصاعدت قبل العيد بيومين في أرجاء بغداد ذهب ضحيتها العشرات، فيما كانت هناك مئات العائلات النازحة من منازلها تنتظر في خيام أو ساحات مدارس فرصة للعثور علي مأوي لها، دون أن تتمكن الحكومة من فعل أي شيء لها سوي نشر اخبار هجرتها في نشرات الأخبار الرسمية، واحصاء أعدادها في تقارير تنشرها وزارة الهجرة والمهجرين العراقية.هذه العائلات التي كانت تقضي في السنوات السابقة أعيادها في زيارة الأقارب والمحبين والجيران والأصدقاء لم تجد اليوم من يزورها، بل انها فقدت عناوينها وظلت تنتظر رحمة السماء، وتقضي العيد بالبكاء والحسرات علي أيام مضت، ومثلها آلاف العائلات الفقيرة التي أصبحت تخفي فقرها بعدم الخروج الي الشوارع او الأقارب، اذ لم تتمكن حتي من شراء ملابس لاطفالها، بينما كانت هناك آلاف العائلات الأخري قد لزمت بيوتها تخشي الخروج حذر التعرض لرصاصة طائشة او شظية هاون، او انفجار سيارة مفخخة، بعد ان عصفت بالعراق وبغداد بشكل خاص عاصفة السيارات المفخخة قبل العيد بأيام أودت بحياة المئات الذين تحولت بيوتهم الي مآتم لاستقبال المعزين في العيد بدل استقبالهم لتلقي التهاني.وفي بغداد التي تحولت أحياؤها الي كانتونات طائفية لم يتمكن بعض الأبناء من زيارة آبائهم، ولم يلتق الاخوة علي مائدة العيد كما هو حالهم في كل عيد حيث يجتمع الأبناء والبنات المتزوجون علي مائدة آبائهم في بيت الأسرة الكبير.بغداد بدت في العيد أشبه بمدينة خالية وقبل ان يسدل الغروب أستاره تتحول الي مدينة أشباح بعد انقطاع التيار الكهربائي لاكثر من عشرين ساعة في اليوم، وتخلو الشوارع والازقة حتي من الصبيان الذين يخضعون لتحذيرات أهاليهم بالدخول الي المنازل.وفيما تغيب ملامح الفرح والابتهاج والزينة والاضواء عن شوارع بغداد، فهي لا تخلو مطلقا من همرات الجنود الأمريكان ودباباتهم وعرباتهم المصفحة، فيما يغفو العراقيون واهالي بغداد خاصة علي أصوات الطائرات المروحية والمقاتلة الأمريكية، التي تلقي باطلاقات التنوير ليس ابتهاجا، بل خوفا او كشفا لبعض المواقع التي تظن ان النيران تنطلق منها ضدها.بغداد التي لم تعتد طيلة القرون الماضية علي منظر الرعب والخوف وهو يتسلل اليها في العيد ليسرق بهجتها، لم تجد ما يخفف من عذابها غير الصبر والأماني بالخلاص من هذه الايام السود التي تمر فيها، واذا كان الفرح قد اصبح في قاموسها نسيا منسيا، فان الامان هو الآخر اصبح حلمها المفقود الذي تبحث عنه.لقد بدأ العيد في بغداد ولكن أي عيد ذلك الذي يسأل عنه الأطفال الذين بدأوا يعرفون لاول مرة أن هناك شيئا اسمه العيد ولكنهم لا يرونه ولا يعرفون شيئا عنه.