عيد فطر ثانٍ بلا بهجة في غزة الجريحة

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: للعام الثاني على التوالي، يحل عيد الفطر على قطاع غزة مثقلًا بجراح الحرب وآلام الفقد. فبعد استئناف العمليات العسكرية في 18 اذار/مارس 2025، يعيش سكان القطاع تحت وطأة القصف الإسرائيلي المستمر، الذي خلّف دمارًا هائلًا وآلاف الضحايا بين قتيل وجريح. في ظل هذه الظروف القاسية، تلاشت مظاهر الاحتفال بالعيد، وحلّ الحزن مكان الفرح في قلوب الغزيين.

التصعيد العسكري الأخير أدى إلى دمار واسع النطاق في القطاع. فالمنازل، المدارس، والمساجد أصبحت ركامًا فوق ركام، والبنية التحتية أضحت شبه معدومة. ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فقد أسفرت الغارات الجوية والقصف عن سقوط مئات الضحايا وإطلاق موجات جديدة من النزوح وسط ظروف إنسانية كارثية.
الإغلاق الكامل للمعابر منذ الثاني من اذار/مارس الجاري زاد من معاناة السكان، حيث منع دخول المساعدات الإنسانية والمواد الأساسية. ويحذر برنامج الأغذية العالمي من أن مئات الآلاف في غزة معرضون لخطر المجاعة وسوء التغذية بسبب تعطل عمليات توزيع المساعدات الغذائية.
في ظل هذه الظروف، تلاشت تقاليد العيد. الأسواق التي كانت تعج بالمتسوقين أصبحت خاوية، والمخابز التي كانت تملأ الشوارع برائحة الكعك توقفت عن العمل؛ بسبب نقص الوقود والمواد التموينية. الأطفال، الذين كانوا ينتظرون العيد بشغف لارتداء الملابس الجديدة وتلقي العيديات، وجدوا أنفسهم محرومين من هذه البهجة البسيطة.

العيد بلا مائدة عامرة ولا فرحة الأطفال

في أحد الأزقة الضيقة برفح، يجلس الحاج خليل أبو عاذرة، 70 عامًا، أمام منزله الذي تضرر جراء القصف، ينظر بحزن إلى الشارع الخالي من مظاهر العيد. كان في السابق يعج بالحركة، الأطفال يركضون بملابسهم الجديدة، الجيران يتبادلون التهاني وأطباق الكعك، وروائح الطعام تفوح من كل بيت، لكن اليوم لا شيء سوى الصمت ورائحة الغبار والركام.
يقول الحاج خليل بصوت مبحوح لـ«القدس العربي»: «اعتدنا كل عام أن نجتمع حول مائدة عامرة، نعدّ الفطور الأول بعد شهر الصيام، نشعل البخور، ونجلس بين الأحباب، لكن هذا العام، لا مائدة، ولا أحباب، ولا عيد كما كنا نعرفه».
يمسح دمعة انسابت على وجنته قبل أن يتابع: «كنت أحرص على شراء ملابس العيد لأحفادي، وكنت أنتظر بلهفة صباح العيد لرؤية وجوههم المشرقة فرحًا. اليوم، لا أحد منهم هنا، بعضهم استشهد، والآخرون نزحوا مع أمهاتهم إلى مدارس الإيواء، ولا أعلم هل سيعودون أم أن مصيرهم سيبقى مجهولًا؟».
يشير إلى بيته المتضرر ويقول: «في كل عيد، كان منزلي مفتوحًا للجيران والأقارب، نوزع الحلوى ونتبادل الزيارات، أما الآن، بالكاد أجد ما أسد به جوعي، فكيف أشتري الكعك أو الهدايا؟ حتى صلاة العيد التي كانت تجمعنا في الساحات، صارت صامتة حزينة، لا تكبيرات فرح، بل دعوات للبقاء على قيد الحياة».
يخفض صوته وهو يتمتم بكلمات كأنها مناجاة: «العيد فقد معناه في غزة… لا فرحة، لا زينة، لا أطفال يركضون في الطرقات، لا ضحكات تتعالى في البيوت. كل ما حولنا صار رمادًا، وأصبحنا نبحث عن العيد في قلوبنا فلا نجده».
على أطراف حي الشجاعية المدمر، تفترش أم أحمد، 45 عامًا، الأرض داخل خيمة مهترئة أقيمت فوق أنقاض منزلها. تجلس بجانبها طفلتها ذات الثماني سنوات، تمسك بفستان قديم مهترئ، كان هدية عيدها قبل سنوات. تقول سناء عاشور بصوت مخنوق: «كان العيد يعني لنا اجتماع العائلة، تحضير الكعك، وشراء الملابس الجديدة للأطفال. أما الآن، فلا بيت يجمعنا، ولا قدرة لدينا على شراء أبسط الاحتياجات».
تكمل بحزن لـ«القدس العربي»: «أطفالي يسألونني عن العيد، كيف أشرح لهم أن العيد هذا العام هو مجرد يوم آخر من الألم والمعاناة؟ كل عام كنا نذهب لشراء الحلويات، هذا العام بالكاد نحصل على الخبز الجاف. زوجي استشهد، وابني الأكبر مصاب، وأنا وحدي أتحمل مسؤولية عائلة مشردة».
تنظر إلى السماء وتتمتم: «نحن لسنا بحاجة لملابس جديدة، بل لسماء بلا قنابل، لعيد بلا موت… لكن يبدو أن هذا كثير على غزة». في أحد أزقة حي الزيتون، تجلس دعاء نشوان، 38 عامًا، أمام منزلها المدمر، تمسك بيد طفلها الذي ينظر بحزن إلى الشارع الخاوي. تقول بصوت يخنقه الألم: «اعتدنا أن نستيقظ فجر العيد، نجهز ملابس الأطفال الجديدة، ونذهب لصلاة العيد سويًا، ثم نعود إلى بيتنا لنحتفل. لكن هذا العام، لا بيت، لا ملابس جديدة، ولا حتى قدرة على شراء الحلوى البسيطة».
تكمل حديثها لـ«القدس العربي» والدموع تلمع في عينيها: «طفلي علاء كان ينتظر العيد بفارغ الصبر، لكنه اليوم يسألني: أمي، أين العيد؟ كيف أشرح له أن العيد هذا العام ليس لنا، بل للحرب التي سرقت كل شيء؟».
تشير بيدها إلى الجيران الذين فقدوا منازلهم وتوضح: «في العيد كنا نتبادل التهاني والزيارات، نطهو الطعام ونشاركه مع من حولنا، أما الآن فنحن جميعًا نبحث عن لقمة تسد رمق أطفالنا».
ثم تختتم: «العيد بالنسبة لنا لم يعد سوى يوم آخر من الألم، لكنه يوم أكثر قسوة، لأنه يذكرنا بكل ما فقدناه».
في سوق الزاوية بمدينة غزة، يقف سعيد نعيم، 60 عامًا، أمام متجره المدمر. كان في السابق يعج بالزبائن الذين يشترون ملابس العيد، واليوم يقف وحيدًا بين الحطام. يقول: «قبل الحرب، كان الناس يتدفقون إلى السوق لشراء ملابس العيد. الآن، السوق مهجور، والناس بالكاد يجدون ما يسد رمقهم».
يمرر يده على جدار نصف متهدم ويضيف لـ«القدس العربي»: «هذه البقعة شهدت أجمل أيام حياتي، كنا نعلق الزينة، نجهز واجهات المحل بأجمل الأزياء، ونستقبل الزبائن بالفرح. اليوم، لا زينة، لا بيع، ولا حياة في السوق».
يأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يؤكد: «العيد فقد نكهته، لم تعد هناك فرحة، حتى الأطفال الذين كانوا يملؤون المكان بضحكاتهم، لم يعودوا يأتون، بعضهم تحت الركام، وبعضهم فقدوا أهلهم، وبعضهم لا يملكون حتى ما يشترونه».
داخل مستشفى الشفاء، حيث الممرات مزدحمة بالمصابين، يقف مدير المستشفى، الدكتور محمد أبو سلمية منهكًا بعد ساعات طويلة من العمل. يقول: «كل عام كنت أعود إلى منزلي صباح العيد لأحتفل مع عائلتي بعد صلاة العيد، لكن هذا العام، يبدو أنني سأحتفل هنا وسط المرضى والجرحى».
يكمل بحزن لـ«القدس العربي»: «نواجه نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية. الأطباء يعملون في ظروف قاسية، ويتعين علينا اتخاذ قرارات صعبة بشأن من يمكننا علاجه بسبب قلة الموارد».
يتوقف لحظة وكأن المشهد يغلبه، ثم يتساءل: «حتى في العيد، يبدو أن تدفق الجرحى لن يتوقف في ظل استمرار العدوان. أطفال غزة يموتون بدل أن يحتفلوا بالعيد وبعضهم يفقدون أطرافهم، الأوضاع هنا مأساوية إلى أقصى درجة.. كيف يمكن أن يحل عيد هنا؟!».
وفي تصريح رسمي، حذر منسق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، مهند هادي، من أن الوضع في غزة «غير معقول»، داعيًا إلى العودة إلى وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بدون عوائق.
من جانبه، أشار الدكتور ياسر أبو جامع، مدير برنامج غزة للصحة النفسية، إلى التأثير النفسي العميق للحرب على الأطفال، قائلاً: «الأطفال لا ينامون، يعانون من كوابيس وسلوكيات عدوانية. حولهم يرون فقط الدمار، القصف، الأوامر بالإخلاء، الموت.. هناك مئات الأطفال الذين فقدوا ذويهم، وهذا يترك آثارًا نفسية عميقة تستمر معهم مدى الحياة».
وأوضح أبو جامع، لـ«القدس العربي»: «العيد بالنسبة لهؤلاء الأطفال لم يعد فرحة، بل ذكرى مؤلمة للفقد والحرمان. نحن نشهد ارتفاعًا في معدلات الاكتئاب والقلق بين الأطفال، والكثير منهم توقف عن التفاعل مع من حوله».
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فقد أكدت في بيان لها أن «الوضع الإنساني في غزة يتدهور بسرعة، ومع استمرار الحصار، أصبح الوصول إلى الغذاء والدواء محدودًا للغاية، مما يهدد حياة المدنيين».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية