عينة مهرجانية تحت المجهر!
خيري منصورعينة مهرجانية تحت المجهر!ليس بمقدور احد حتي لو كان متحمسا للمهرجانات الشعرية باعتبارها حراكا ثقافيا او حجارة ترمي في ماء آسن ان يدافع عن الحيثيات والاليات التي تتم بها المهرجانات الشعرية العربية، وذلك لسببين علي الأقل، اولهما ان عدد الشعراء العرب من مختلف الاجيال والاقطار يصعب حصره، وما من مهرجان مهما اتسع يمكنه ان يشمل الشعراء كلهم.والسبب الثاني، هو القناعة التي ترسخت من تكرار التجارب بأن الشعر هو غالبا ما يكون ضحية الاحتفال به. وهنا اتذكر ونحن اطفال عندما ننجح في الشهادة الاعدادية او الثانوية، اذ غالبا ما كنا مطرودين من الاحتفال رغم انه يقام باسمنا ومن اجلنا، لأن قدرة الاهل في كل أوان علي تجيير الفرح لما هو خارج المناسبة هو تعبير عن فائض المكبوت الذي تراكمه الحياة اليومية الرتيبة، وذات اللون الرمادي الواحد!وليس الشعر وحده ما يطرد من عرسه، فالعرب يكرمون الشهيد ايضا، لكنهم لا يترددون في السطو علي ارملته قبل ان يجف دمه، لأن هناك قطيعة بين الفاعل والمفعول لأجله، وبالتالي بين المقدمات والنتائج، فالمنطق السائد معكوس، وعلينا ان لا نصاب بالدهشة اذا تكررت الاخطاء وتفاقمت حتي اصبحت خطايا لا سبيل الي تداركها!ثلاثة مهرجانات شعرية علي الأقل حاولت رصد ما كتب عنها، فلم أجد سطرا واحدا يقيم وزنا للشعر، لأن الحديث هو الشعراء وبالجملة، وبمعزل عن نصوصهم، سواء تلك التي قرئت في المهرجان او الهاجعة في دواوينهم!ان ما يحتاج الي تفكيك كما لو كان أحجية عصية علي الفهم، هو الاحتفاء بالشعراء واحتقار الشعر، فالازدراء الذي يلحق بديوان العرب كما يسمونه تساهم فيه سلطة ثقافية تعاني من امية سرية لأن اختبارها محظور، ما دامت تعيش في مرتفعاتها البيروقراطية، ولا تحاول الاطمئنان علي صحة اطروحاتها بواسطة الاحتكاك، او الحوار حتي في حده الأدني!ويساهم في هذا الازدراء قارئ عازف عن الشعر لأسباب يجهلها، لكن الناشرين يستخدمون هذا القارئ كمصد يحول دون نشر الشعر، لأنه مقترن حتي بالخسارة، مما دفع الشعراء العرب او نسبة عظمي منهم الي الاقعاء علي عتبات الوزارات والهيئات والمؤسسات الرسمية لأنها تجازف بتحمل الخسارة لأسباب اعلامية، وتقوم بالتغطية او التعويض ميزانية الدولة الاشبه بلحية برناردشو وشعر رأسه، حيث الغزارة في الانتاج تتحول الي سوء في التوزيع!ويخطئ من يراهن علي ان مهرجانات الشعر في نماذجها العربية السائدة هي المقياس الجمالي الذي يتم من خلاله استقراء المشهد الشعري، فما من رصد جاد لما يكتب وينشر، وثمة توقف عن النمو عند مرحلة ما، وعوضا عن الاعتراف بالكسل الذهني والتقصير في الرصد، تأخذ السدنة العزة بالإثم، فيلجأون الي ابتكار ذرائع وحيثيات لا علاقة لها بالابداع وشجونه، لأن كل ما يطمحون اليه هو نيل الرضا من اولي الأمر والقهر والزجر!ان طرد العريس من زفافه لا يقتصر علي هذا الإقصاء المتعسف، بل هو يهدف الي السطو علي العرس والعروس معا! ما دامت ديموقراطية المعجنات العربية التي تتيح للمرء ان يختار اللحم بعجين، او العجين بالبقدونس، او العجين بالدم هي الطبعة الاخيرة المنقحة لمفهوم الديموقراطية، بعد تجريدها التام من محتواها الاغريقي!ہہہالعينات القابلة للفحص تحت المجهر من المهرجانات العربية، تحمل خصائص الدورة المهرجانية كلها، إذ لا يمكن لمريض يُطلب منه فحص دمه ان ينزف دمه كله في برميل ويقدمه الي المختبر!وهنا، تكتفي بثلاث نقاط فقط حول فحص عينات مهرجانية!الأولي، تغليب العلاقات العامة والشخصية علي اي معيار آخر للاختيار، وهذا ما يفسر لنا وجود زبائن مزمنين لكل المهرجانات، واحيانا يقرأ أحدهم النص ذاته في عشر مهرجانات في عشر عواصم، وقد تكون دقائق القراءة هي الأصعب والأشق في الرحلة السياحية، هذا مع العلم بأن هناك زبائن قلما يقرأون الشعر لانشغالهم بقرائن المهرجان وهوامشه وحواشيه!والنقطة الثانية، هي تكريس الأمر الواقع، اي اعفاء النفس من البحث من أجل التجديد والتطوير وتنقية الدم، مما اتاح للأنيميا الشعرية ان تتفاقم، ولا ينفع معها غلوكوز الصحافة والتدليك الاعلامي الذي يسعي الي تبييض الوجه ولا شيء آخر .والنقطة الثالثة، هي المقايضات بأدني تعريف فطري وغرائزي لها، لأن تبادل المنافع أصبح له فقه وفقهاء، وما دام الموظف علي قيد الوظيفة، فإن عليه ان لا يفرط بفرصة مهما تدنت وأن لا يعف حتي عن ذبابة!والشعراء العرب الذين عبروا عن الاستغناء بأدق معانيه الاخلاقية والنفسية، وآثرو العزلة، هم الذين أدركوا مبكرا بأن هذه المقايضات التي تصلح للقمح والذرة والشعير لا تصلح علي الاطلاق للشعر والنثر ، لهذا لم يضيعوا الوقت في التزلف والاسترضاء وآمنوا حتي نخاعهم بأن الكتابة هي الكتابة ولا شيء آخر، وان الشاعر هو حاصل جمع نصوصه وليس ما يضاف اليها من أرقام الفاكس ومفاتيح الانترنت، والرسائل الإخوانية، لهذا يخطيء الشاعر العربي الذي لا يفطن اليه سدنة المهرجانات او يستبعدونه مرتين… مرة لأنه يفاجأ بما كان ينبغي عليه ان يتوقعه ويدرجه في قائمة معارفه، ومرة لأنه يريد استكمال صفة الشاعر بإضافة اكسسوارات فندقية، وتصفيق متقطع علي استحياء غالبا ما يملأ به فراغ القاعات، الموظفون الذين أحضروا قسرا لسماع شعر لا يحبونه.ہہہان المثير بالفعل، والجدير بالتأمل ليس كل هذا، فهو بات محفوظا عن ظهر قلب وقلم، انه نبذ الثقافة من حلباتها ومنصاتها والمهرجانات المكرسة لها وباسمها.فالسجال يدور حول كل شيء الا المعرفة، وقدر تعلق هذا بمهرجانات الشهر، فإن ما تقدمه الصحافة الادبية من تعليقات وحوارات عابرة لا يتطرق الي الشعر من قريب او بعيد، لأن مثل هذا التطرق يشترط وعيا جماليا، ومعرفة ليست ملقاة علي قارعة الطريق أو في صالونات الفنادق التي تعج بالدخان والنميمة وعاشر أوكسيد الكربون!ان الامر يحتاج الي عبقرية من طراز مضاد كي يمكن تنفيذه علي هذا النحو المفارق للمنطق، ولا ندري كيف وبأية ديناميات تم اقصاء الشعر لصالح الشاعر، ونبذ الثقافة لصالح المثقف؟ لكأن الفعاليات التي تنتهي وتتلاشي اصداؤها قبل غروب يومها الاخير هي مجرد حفلات تنكرية، خصوصا وان الأوهام التي تخلقها الدعوات الموسمية لدي الكتاب سواء كانوا شعراء او من أي حقل آخر تحول الجميع الي ما يشبه اسنان المشط، وتجد المقولة الديكارتية الشهيرة القائلة : انا أفكر إذن انا موجود، معادلا شعريا هو أنا مدعو الي هذا المهرجان او ذاك اذن انا شاعر…كم من البؤس، والعوز الي الاعتراف يعانيه هؤلاء الذين تخلوا عن القراءة والتأمل والكتابة لصالح ثرثرة عقيمة، واسترضاء يثير الاشفاق لمن يملكون حق التوقيع علي بطاقات الدعوة وان كانوا لا يملكون حقا آخر له علاقة بالابداع!ويبدو ان العواصم العربية منذ ورطتها اليونسكو بهذا التناوب لتكون كل واحدة منها حاضرة ثقافية لعام واحد، بدأت تصدق انها كذلك، وان عصمة الثقافة منوطة بها وحدها!لكن ما ان يأزف اليوم الأخير من عامها، حتي تعيد كل شيء الي مكانه، وتطفئ الأضواء، وتوقف الصرف، وتنصرف الي شجن آخر لا علاقة له بالثقافة!ہہہهذه مناسبة للاعتراف بأنني انسحبت في حياتي مرتين من لجان مهرجانية، وكان ذلك أضعف الايمان، لأن تغيير المنكر قدر تعلقه بالاعلام والثقافة أمر ينوء به من ولدوا وفي افواههم ملاعق من حبر لا من ذهب!واذكر ان المفاضلة التي تمت بين شاعرة اصر البعض علي دعوتها وبين شاعرين معروفين انتهت لصالح الشاعرة التي تنصب الفاعل وتجر المفعول به، ولا تفرق بين نون النسوة وواو الجماعة او ألف الإثنين!والمرة الثانية التي انسحبت بها كان السبب مماثلا لكن عبر تجليات ذكورية لا علاقة لها بالشعر او النثر او حتي الصمت، لأن كلمتي المكتوب والمكبوت في لغتنا بينهما من الجوار ما يحول أحدهما الي خطأ مطبعي للآخر!واذا كانت معرفة السبب تبطل العجب، فإنني استغرب الاسلوب الذي يعبر به بعض المثقفين ومنهم شعراء عن دهشتهم مما يجري…وهي مناسبة أيضا للاعتراف، بأن سيدة عربية لها نشاط فني مرموق، واضافة الي كونها ناشطة سياسية، اخبرتني قبل أيام انها طلبت من مسؤول عربي من احدي العواصم غير المعصومة دعوة لحضور مهرجان فني، فأجابها علي الفور بأنه مستعد لذلك، شرط ان تلبي دعوته للعشاء علي الطريقة العربية الاصيلة!!ان الفساد الذي تعددت رؤوسه كحيوان اسطوري في واقعنا العربي بدءا من السياسة مرورا بالاقتصاد الأسود وليس انتهاء بثقافة المقايضات، لا تليق به مواجهات ناعمة واعتراضات بروتوكولية تأتي علي استحياء، لأن الذين استحوا ماتوا كما قالت لنا امهاتنا الأميات، لكن البريئات من هذا البغاء ذي الأقنعة!وعندما يكون الوباء بنيويا، ومبثوثا في النسيج كله بكل خيوطه سواء كانت من خيش السياسة او حرير الثقافة أو قنب الاقتصاد فإن الفحص يتطلب أدوات أخري، كما ان العــــلاج بالاسبرين او كمادات الماء البارد يصبح مجرد خداع وتضليل اضافة الي كونه مخدرا موضعيا وعابرا، سرعان ما تعقبه نوبات الألم الذي لا يطاق!ان ما نطلبه اضافة الي كونه أضعف الايمان هو أكثر تواضعا مما يظن المتفائلون بدور الشعر في اصلاح ما أفسد الوراقون.ما نطلبه هو ان لا يجهر سمسار السياسة والاقتصاد والثقافة بما يبطن، كي نتأكد بأن هناك قليلا من الخجل!اما الاصرار علي القبض علي جمرة وكرة ثلج في راحة يد واحدة فهو استخفاف بنا كبشر أولا، ولعبة حواة غير مهرة… نضبطهم متلبسين في دس الارانب او العصافير في اكمام معاطفهم التي تستر كل شيء في الجسد غير العورة!!!0