هل ارتضت إيران لنفسها أن تلعب لعبة الرجل الواقف في الخلف وتترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين تنظيم الاتفاقات التي تخص سوريا على غرار الاتفاق الروسي التركي بشأن إدلب، الذي أعلنه الكرملين على لسان ديمتري بيسكوف السكرتير الصحافي للرئيس بوتين؟
في طهران ثمة اعتقاد أن على إيران أن تبقى بالفعل خارج المناكفات الدولية والإقليمية المباشرة حول عموم الملف السوري، وأن تترك لموسكو أن تكون في الواجهة وهو ما تم الاتفاق عليه خلال زيارة مستشار المرشد علي أكبر ولايتي مبعوثاً عن السيد علي خامنئي والرئيس حسن روحاني (النظام) وأن يفعل بوتين ما يراه مناسباً للحفاظ على مكتسبات التدخل الروسي الإيراني المباشر في سوريا وتحقيق الهدف الأكبر وهو تطهيرها من الإرهاب ومنعها من التقسيم.
ومن هنا فإن الاتفاق الروسي التركي حول إدلب لا يمكن اعتباره نهائياً. لأنه لا يصب في تحقيق ذلك الهدف، وهو أيضاً ليس من مصلحة الرئيسين بوتين واردوغان، فبقاء مجموعات إرهابية مثل “دولة الخلافة الإسلامية” أو “جبهة النصرة” في شمال سوريا، يهدد تركيا نفسها، حيث يُمكّن المجموعات الإرهابية من التوغل في مناطق نفوذها.
ولهذا تجد الإيرانيين يبدون واثقين من أنه بعد إنشاء منطقة معزولة حول إدلب، سيتم القضاء على الإرهابيين من قبل القوات السورية والتركية أيضاً بمساعدة روسيا. واستنادا إلى هذا يمكن اعتبار الاتفاق الروسي-التركي مرحلياً مؤقتاً، تم وفقه تأجيل هجوم قوات الجيش السوري وحلفائه بمن فيهم روسيا وإيران على إدلب.
قضت الخطة التي عملت عليها إيران وحلفاء الرئيس السوري منذ اندلاع الأزمة في سوريا في 2011 حتى الآن، أن يجري نقل المسلحين الذين يرفضون التصالح مع الدولة السورية من المناطق التي يستعيدها الجيش السوري والحلفاء، إلى محافظة إدلب، الواقعة شمال غرب البلاد، لتتحول تدريجياً إلى آخر جبهات القتال للمعارضة السورية والمقاتلين الأجانب. وتعتبر إدلب حالياً أكبر المناطق المتبقية تحت سيطرة معارضي النظام السوري والتي تشكل أكثر من 60 في المئة من الأراضي التي بقيت تحت سيطرة تنظيم “هيئة تحرير الشام” والذي تشكل من قياديين سابقين في تنظيم “القاعدة”.
لقد وضعت الحكومة السورية والحليفان الإيراني والروسي، تحرير محافظة إدلب في رأس أولوياتها، لكن بالنظر إلى تأريخ الصراع السوري الذي تجاوز السبع سنوات يمكن القول بأنه من دون الدعم الروسي الإيراني لبشار الأسد لما تحققت كل هذه الإنجازات على أرض الواقع.
فمنذ أن توصلت كل من روسيا وإيران وتركيا للاتفاق الأخير بشأن حل الأزمة السورية في مؤتمر أستانة، عاد الهدوء التدريجي الحذر لمحافظة إدلب إلى حد ما. لكن الآن وبعد مرور الوقت وتصاعد حدة الأزمة في المحافظة تسعى الأطراف الثلاثة الى إيجاد صيغة حل سياسي فعال للخروج من الأزمة. وبالرغم من هذه المعطيات الإيجابية التي تجسدت في تفاهمات ميدانية في مناطق مختلفة، إلا أن الاجتماعات التي عقدتها الأطراف الثلاثة في كل من أستانة، وسوتشي، وأنقرة وطهران، لم تفض إلى أي تسوية نهائية ودائمة لإنهاء الصراع الدائر داخل الأراضي السورية، والسبب هو تباين نظرة كل من موسكو، أنقره وطهران للأزمة.
وبغض النظر عن الاتفاقات التي توصلت لها جميع الأطراف إلا أن الدور الإيراني الداعم للأزمة السورية كان واضحاً كونه الأقرب للنظام السوري بتوافق مصالحهما.
ولقد برزت بعض الاختلافات بين روسيا وإيران أثناء قيام الجيش التركي بعملية اجتياح مدينة عفرين شمال غرب سوريا، عندما أظهرت موسكو نفسها طرفاً محايداً في النزاع، حينها قامت الجماعات المسلحة المقربة من طهران ودمشق بدخول الأراضي السورية لدعم الجماعات الكردية المقاتلة في عفرين، إلا أن الموقف الأخير لكل من أنقرة وموسكو ألقى بظلاله على الأزمة السورية بحيث أغلق الأبواب أمام أي انفراج في المدى المنظر في الأزمة، الأمر الذي جعل الجماعات المسلحة المقربة إيران تبدي استياءها من الأمر وهددت بتوجيه ضربات عسكرية للقوات التركية المتواجدة داخل الأراضي السورية.
ومع استمرار التطورات في المنطقة والحديث عن ضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة وعملية لحل الأزمة في إدلب يمكن القول إن طهران كانت (قبل الاتفاق الروسي التركي) تنسق مع دمشق بمباركة موسكو لتحرير إدلب بالحرب دون انتظار أي اتفاق جديد بين الأطراف الرئيسية في الأزمة السورية، من أجل استعادة إدلب من المعارضة السورية. إلا أن الضغوط السياسية والاقتصادية الأخيرة والعقوبات التي وضعتها حكومة ترامب، قد تدفع إيران لتغيير نهجها حيال سوريا وأن تتخذ الحيطة والحذر أكثر من ذي قبل وأن تكون تحركاتها متوافقة ومتوازية في إطار التفاهمات أولاً قبل كل شيء، ووافقت على الاتفاق حتى قبل أن يلتقي بوتين باردوغان في إدلب من منطلق تغيير الأولويات، وأن وقوع نزاع مباشر بين طهران وأنقرة قد يتسبب في أزمة إنسانية جديدة وقد يدفع الكثير من السكان المدنيين في إدلب للنزوح الأمر الذي سينبئ بكارثة إنسانية جديدة.
وتقول التقارير إن عدد المدنيين في المنطقة يقارب الثلاثة ملايين، كما يوجد ثمانون ألف مسلح في المنطقة يشكلون خطراً على أرواح المدنيين إذا ما بدأت أي عملية عسكرية لتحرير إدلب.
تفاهمات
يعتقد الإيرانيون ومعهم السوريون أن اتفاق إدلب سيتيح لسوريا النجاح في تطبيق سياسة “القضم التدريجي” للأراضي الخاضعة لسيطرة المسلحين، رغم أن طهران، والحلفاء (حزب الله والعراقيون) شككوا بموقف تركيا التي يقولون إنها تلعب لعبة مزدوجة لشراء الوقت لإقناع الولايات المتحدة بزيادة الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد. ولفتوا إلى لقاء جيم جيفري، المبعوث الجديد لوزارة الخارجية الأمريكية، والمبعوث الخاص لسوريا جويل رايبورن في جنيف مع المبعوث الأممي في الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا وما يسمّى بـ “المجموعة الصغيرة” من الدول المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، بحضور مسؤولين من مصر وفرنسا وألمانيا والأردن والمملكة العربية السعودية والمملكة المتّحدة، وقالوا إن معركة الحسم في إدلب مقبلة لامحالة، فالرئيس الإيراني، حسن روحاني، يوم أعلن الجمعة 7 أيلول/سبتمبر أن المرحلة المقبلة في سوريا بعد إدلب هي شرق الفرات، مشيراً إلى وجود قوات من الولايات المتحدة هناك بشكل غير شرعي.
وفي هذا الواقع تأتي الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا ما جعل ياسين أقطاي مُستشار الرئيس التركي يتَّهَم إسرائيل بمُحاوَلة تخريب الجَو الإيجابيّ الذي ظَهَر بعد اتِّفاق إدلب. وتضع إيران الاعتداءات الإسرائيلية على اللاذقيّة تحديداً، في سياق واحد مع الرسائل التي وجّهها الأمين العام لحزب الله حسن نصرُ الله في أكثر من اتجاه، ولعلّ أعنفها تهديده لإسرائيل من مغبّة شنّ حرب على لبنان.