عين الخارج على طالبان: نريدُ «أفعالاً لا أقوالاً» والبداية من الحكومة

رلى موفَّق
حجم الخط
0

تجهد طالبان لتقدّمَ نفسها على أنها نسخة جديدة معتدلة. فقادتها قتاليون أكثر مما هم سياسيون رغم محاولات تأهيل الطواقم التي تولّت مفاوضة الأمريكيين وتوصلت معهم إلى اتفاق تاريخي.

لا تريد حركة طالبان أن تُكرِّر الأخطاء نفسها التي ارتكبتها يوم تولّت الحكم في تسعينيات القرن الماضي. ومن هذه الأخطاء، ترك ولاية بانجشير خارج سيطرتها، الولاية ذات الغالبية الطاجيكية الواقعة شمال ولاية كابول، والتي لم تُوالِ طالبان في عهدها الأول وأعلنت أنها على استعداد لفعل ذلك ثانية، من دون أن تُقفل باب التفاوض لـ»تعاون ما» مع العهد الطالباني الجديد. الحركة تُحاصر الولاية وتقول إنها تشن عملية عسكرية بعد فشل المفاوضات مع الزعيم المحلي أحمد مسعود الذي يقود راية المقاومة الأفغانية.
ليس واضحاً بعد ماذا سيكون عليه مصير الجبهة الوطنية للمقاومة التي انضم إليها أمر الله صالح نائب الرئيس الأفغاني أشرف غني الذي فرَّ من البلاد. ما قاله مسعود لمجلة «فورين بوليسي» عن عدم تلقيه – حتى الآن- أي مساعدة من أي دولة أجنبية رغم طلبه الدعم الدولي، وأن العديد من دول المنطقة تقف إلى جانب طالبان، يشي بأن زمن الأمس ربما تغيَّر، وأن الشاب قد لا ينجحُ في تكرار سيرة والده أحمد شاه مسعود الذي اشتهر بمقاومته السوفييت ثم حركة طالبان، قبل أن يغتاله «تنظيم القاعدة» على مسافة يومين من هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001.
المشهد لا يزال ضبابياً بانتظار أن يتّضح «السيناريو» الذي سترسو عليه ولاية بانجشير، وهي الولاية الوحيدة – من أصل 34 ولاية- الخارجة عن سيطرة طالبان. غير أن الحركة سيكون عليها المضي قدماً في خطوات إدارة البلاد، فالمجتمع الدولي يتنظرُ منها أن تُـقْـدِم على تشكيل حكومة، وأن تبدأ عهدها الثاني حتى يراقبَ الأفعال لأقوالٍ يسمعها من قنوات التواصل والمحادثات الخلفية الجارية مع العالم الخارجي عبر الدوحة. دول العالم في انتظار الأفعال كي تُحدد كيفية تعاطيها.
طالبان تؤكد بلسان رئيس مكتبها السياسي الملا عبد الغني برادر أنها بصدد تشكيل حكومة شاملة تمثل جميع أطياف الشعب الأفغاني. تأليف الحكومة أمر مُحقّق حصوله، إنما ما هو غير مضمون أن تكون جامعة لكل الأطياف والقوميات والمذاهب، وأن تضمَّ مسؤولين سابقين. فعلى مضض، يتحدث محللو طالبان عمّا يصفونه بتنازلات لضمان عدم عزلة أفغانستان عن العالم. تلك التنازلات من وجهة نظرهم هي ضمان حقوق المرأة في التعليم والعمل والتجارة واحترام حقوق الإنسان والعفو والالتزام بالمعايير الدولية إنما في إطار ما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية وليس خروجاً عليها، وألا تكون تضرب الأصول والأساس في القوانين الإسلامية.
تجهد طالبان لتقدّمَ نفسها على أنها نسخة جديدة معتدلة. وهي تعلم أنها لا تملك جيداً فن إدارة شؤون الحكم والسياسة، فهم قادة قتاليون أكثر مما هم سياسيون رغم محاولات تأهيل الطواقم التي تولّت مفاوضة الأمريكيين وتوصلت معهم إلى اتفاق تاريخي. تحتاج إلى تلاوين سياسية ونهج مقبول وخبرات في الإدارة والدولة والوزارات من أجل القدرة على النهوض بالبلاد والتعامل مع الخارج ونيل الاعتراف الدولي.
ما عاد في إمكان طالبان أن تحكمَ أفغانستان على الطريقة نفسها قبل ربع قرن. أشياء كثيرة تغيّرت بعدما غزت أمريكا البلاد وأطاحت بها وأسست لنظام جديد صان قدراً معقولاً من الحقوق والحريات بعد تجربة ظلامية. ما عاد بإمكان طالبان أن تحكم بأسلوبها القديم مع ثورة التكنولوجيا والاتصالات التي حوَّلت العالم إلى قرية واحدة.
يُدرك مسؤولو طالبان أنهم مقيدون ومُراقَبون، وستكون العين عليهم في كل صغيرة وكبيرة. ستتم مراقبتهم لفترات طويلة، وستبقى سياسة العصا والجزرة هي السياسة المعتمدة. طالبان تريد الانفتاح على العالم وأن يتم التعامل مع دولة أفغانستان الإسلامية وأن يكون هناك علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية واستثمارية مع الخارج. وهذا الخارج يمنحها الفرصة كي تنجح في امتحان الالتحاق بالشرعية الدولية.
ثمّة تحديات أساسية أمام طالبان التي مع عودتها إلى حكم أفغانستان شكّلت رافعة لكثير من التنظيمات الإسلامية المتشددة والتي تُصنّف في غالبيتها إرهابية. تعهدت طالبان في الاتفاق مع الأمريكيين بمنع أي جماعة أو فرد، بما في ذلك القاعدة، من استخدام أراضي أفغانستان لتهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها. لن يكون باستطاعتها أن تأوي من يراه الخارج «إرهابياً» وعليها بالتالي الاصطفاف جنباً إلى جنب مع المجتمع الدولي في المعايير التي يحددها، وحتى بما يخص «الأخوة في الدين». سيكون عليها قتال تلك التنظيمات لا حمايتها، ما يضعها في مصاف الشريك في مكافحة الإرهاب. هي أساساً تعهدت بذلك في «اتفاق الدوحة» وما عليها الآن سوى ضمان والتزام حسن التنفيذ.
لا أوهام بأن طالبان لن تحاول الالتفاف على ما تعهدت بخصوص الأفراد والجماعات الإسلامية المتشددة، وبخصوص كيفية تعاملها مع المرأة وحقوق الإنسان وما شابه من الملفات الداخلية. ما يهمُّ دول العالم ألاَّ يصل إليها الإرهاب من بوابة أفغانستان، وألاَّ ترى صوراً وأفلاماً تنتشر في بقاع الأرض لنساء تُرجم حتى الموت في أماكن عامة، فتهتزُّ المشاعر والضمائر ويكون على الحكومات أن تتحرّك ضد دولة طالبان. لن يكون هاجس أمريكا وحلفائها أن يُدخلوا ثقافتهم وأسلوب عيشهم ونمط حياتهم ومفاهيمهم إلى المجتمع الأفغاني، ولا هذا هو هاجس الصين وروسيا.
فلكل من الدول حساباتها ومصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية في أفغانستان، وستحاول أن تجتذبها كما أن تتّـقي شرّها. ويبقى على طالبان أن تحدّدَ الطريق الذي ستسيرُ عليه، فالعالم ينتظرها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية