عين تنحاز الي الطبيعة وشوارد الحياة اليومية
الفنان الفوتوغرافي الليبي طارق بوبكر الهوني:محمد الأصفرعين تنحاز الي الطبيعة وشوارد الحياة اليوميةهذا هو طارق الهوني كما عرفته.. شاب طيب هادئ الطباع.. يضحك لأبسط إمزوحة.. يجلس بجانبك صامتاً أكثر الوقت.. ينصت إلي الحديث باهتمام وتركيز.. من يطلب منه خدمة يخدمه بحب دون مـَــنٍّ.. مرّة قلت له أريدك أن تلتقط بعض الصور لابنتي الرضيعة مهجة فجاءني في البيت والتقط شريطا كاملا ثم حمضه وأعطاه إلي.. وكلما زار واحته هون عاد لنا بالتمر الشهي الخالي من الدود والسوس.. لا يصدع رأسك بالنقد أو التنظير للفن أو النميمة ذات الدم الثقيل.. دائما آلة تصويره بجانبه أو في صندوق سيارته الخلفي.. يعبر عن نفسه بتلقائية.. مرة جاءني غاضبا محتجا.. : رئيس مجلس الإبداع أوقف لنا الإضافي.. نحن فنانون.. نصرف علي الفن من قوت اطفالنا.. من المفترض أن نمنح علاوة ابداع لا أن يوقفوا عنا الإضافي البسيط.. مرة أخري التقيته حزينا.. : آلة تصويري سقطت مني وتكسرت.. والأخري أعرتها لصديقي الشاعر صالح قادربوه السائح في دمشق فاحتاج إلي المال فباعها.. لقد باع سلاحي في سوق الحميدية بدراهم معدودة.. لو كنت أنت يا أصفر لتسوّلت وما بعت الكاميرا.. وأجبته: نعم أنا لا أبيع الكتب ولا أبيع آلة تصوير أو أي شيء مساعد للإبداع.. وليس لدي مشكلة في تسوّل المال.. لكن أبدا لن أتسوّل الكلمات.سرعان ما دبّر طارق في مال عن طريق السحب واقتني آلة أخري وحلف ألا يعيرها لأي كان.. وواصل فنه في التقاط المناظر التي يحس أنها فعلا تناديه وتعانقه.. دائما تجده متحمسا للفن.. في جرابه يتوالد الجديد فالجديد.. هذه صور لبنغازي في الليل.. هذه للصحراء.. هذه للواحة.. هذه للسماء.. هذه لحفل تأبين كاتب او فنان كبير.. وهذه مسرحية ميلودرامية لممثل واحد قدير.. ليس لديه أي وقت يضيعه في غير هوايته.. لا يصوّر المشاهير ولا يركض وراء أشباه الفنانات.. يحب التقاط الشارع.. والناس العاديين الهامشيين.. والأصدقاء.. بدأ حياته كمصور رياضي.. يتابع الكرات السريعة الفالتة من أيدي الحراس والمعانقة شباك المرمي.. التقط عدة لقطات نالت اعجاب الجماهير الرياضية واستفادت من ريعها دكاكين التصوير في الفندق البلدي والرويسات.. فهذه مراوغة مدهشة للاعب موهوب استطاع بها ان يتجاوز خط ظهر بأكمله.. وهذا تصدٍ فني من مدافع موهوب لمهاجم خطير.. وهذه فورة جماهير تصيح وتصفق وتتعالي قبضاتها بالنصر وحناجرها بالهتاف لــليبيا التي سجلت هدف الفوز في مرمي المنافسين.. وهذه قصاصات ورقية مختلطة ببالونات استقبل بها المشجعون فريقهم الليبي الوطني الجميل.. وهذه ألعاب نارية أطلقها الجمهور في سماء الملعب لتختلط بؤرها وألوانها مكونة مزيجا بهيجا من الضوء الملون المتدرج الظلال.ومع ميلاد مجلس تنمية الابداع اتجه الفنان طارق الهوني إلي التصوير الفوتوغرافي غير الرياضي منضما إلي واحة فنانينا المكرسين.. الترهوني.. السيفاو.. العريبي.. التومي.. الشاردة.. وغيرهم.. فساح عدة سياحات في صحراء اكاكوس وواحات هون واوجلة وجالو والجغبوب باحثا عن لحظة الصفر التي ينشدها وهي لحظة نفخ الروح في زر آلته الولود.. فالتصوير الفوتوغرافي هو فن زمني قبل أن يكون مكانياً.. ولحظة الجنون الابداعية فيه هي لحظة ضغط الزر لالتقاط الروح الإبداعية المتجسدة أمامك وبعثها في حياة المشاهد جنة أو ناراً أو أي شيء حي مؤثر.. فهو يلتقط الصورة القصيدة.. الصورة نافرة الهدوء للروح.. الصورة التي تجعلك تبوح وتعترف لها بحبك.. أو إعجابك أو حتي عداوتك لها وكرهك لها ولعنتك.. أي أنه يلتقط شيئا مؤثرا مستفزا ومحفزا لذات المتلقي الذي يستقبل العمل بدوره حسب ذائقته ونفسيته ومرجعيته.. وفي مدة وجيزة تصدرت صور طارق أغلفة المجلات ومواقع النت واستخدمتها الجرائد وسائل جمالية لما تنشر من مواد.. وفي لقاء مع الفنان المخضرم فتحي العريبي سأله المحاور عن فناني الفوتوغرافيا الشباب.. فذكر من ضمن من ذكر طارق الهوني.. والفن دائما يحتاج إلي شجاعة وجرأة ونشاط وتضحيات أيضا.. فكلما توفر مبلغ من المال لدي طارق صرفه علي فنه.. فها هو ينشيء موقعاً جميلاً شاملاً أدبياً فنياً رياضياً ويسميه (عين ليبيا) ويقف معه كل الأصدقاء فينشرون فيه ويتصفحونه ويشهرونه ويستقطب هذا الموقع الكثير من الاقلام العربية المبدعة فعلي صفحاته لا مكان للركاكة والنصوص الضعيفة، والنشر فيه يخضع لمواصفات ابداعية راقية فلم يتسلل إلي هذه العين أي بريق ميت مثلما هو حادث الآن في المواقع الليبية في الداخل والخارج العاملة الآن، وها هو يسافر إلي القاهرة لحضور معرض الكتاب والتقاط الصور.. وهو يشارك في كل معرض يدعي إليه.. أي أنه في حالة استنفار فني مستمر.. وأجمل معرض أقامه بصورة متواصلة ويومية هو معرضه الدائم داخل إيتيليه الغزالة (مقهي عين الغزالة).. فعلي جدران مقهي عين الغزالة تلتصق صور طارق وتواسي الزبائن وهم ينفثون السجائر ويشربون القهوة ويتابعون المباريات والنشرات الإخبارية وتشاركهم أفراحهم عندما يتعالي ضحكهم وترتفع وتيرة فرحهم.. فمعرضه بعين الغزالة هو معرض مهم ودائم فرواد المقهي متجددون وكل من يدخل المقهي يتأمل الصور ويتفاعل معها ويسأل صاحب المقهي أحمد عن ملتقطها فيقول انه الفنان طارق الهوني فيجيبه اعرفه.. هو الذي صور لنا الأهداف الجميلة.. هناك من يرغب في الشراء لكن طارق لا يبيع.. يعز عليه ان يستبدل صورة بحفنة دينارات.. فكل من يدخل المقهي يري ويتمتع ويغادر ليأتي غيره.. صور مشاهدتها تمثل الحياة والموت.. الدخول والخروج.. هناك جمهور آخر وهو جمهور نوعي.. فأكثر الأدباء والفنانين الليبيين والعرب يرتادون هذا المقهي الذي ورد ذكره في رواية شرمولة والواقع في ميدان الشجرة الشهير.. فيتأملون اللوحات ويبتسمون دلالة الاستحسان ومنهم من يبرز شفته السفلي ممتعضا ويعلق بتعليق ينتقد فيه هذه اللوحات.. اللوحات تخبر طارق عن من شكره ومن ذمه وطارق تعلم أن هذا الأمر جميل.. فالكمال لله.. هكذا يقول له أبوه الأديب ابوبكر الهوني.. الذي كان كاتبا كبيرا في الستينات وبداية السبعينات.. يكتب المقالات الهادفة بأسلوب أدبي.. مقالات تهدف إلي خير المواطن وتنشر الوعي.. ولا تتملق أو تهادن.. قرأت بعضا منها في اعداد قديمة في جريدة الحقيقة ثم قرأت كتابيه الصادرين حديثا عن الدار الجماهيرية للنشر.. هذا الوالد شجع ابنه وعلمه قبول الرأي الآخر بصدر رحب.. وعلمه الاجتهاد وبذل المجهود لأنه لا شيء يأتي إليك وأنت نائم أو جالس تضع كرعاً علي كرع.صور الفنان طارق الهوني كثيرة ومعظمها يحمل ابعادا جمالية رغم التقاطها العفوي وعدم التخطيط المسبق لها.. أي معظمها التقطت بواسطة الإلهام الذي يغزو القلب فجأة ثم يختفي.. ومن خلال ثلاث مجموعات مسجلة لدي في حاسوبي اخترت هذه الباقة من اللوحات وهي معبرة عن تجربة طارق التي اعتبرها تجربة طازجة مجنونة ترسل وميضها في كل اتجاه قابل للتفاعل.. لم تولد من رحم دكاكين التصوير الفوتوغرافي أو التقاط صور الندوات ومهرجانات الخطابة وبطاقات البريد أو تجهيز الاستوديو بمكملات قبل البدء في تصوير اللقطة علي طريقة اضحك حنصوّر.. لم تولد تجربته من الصحافة وعملها الروتيني الممل.. بل تجربته عملية سياحة داخل رحم الحياة والتقاط فجائي لكل ما يفاجئه من دهشة.. تجربة طارق الهوني تجربة ثرية رغم حداثتها ننتظر منها ان تتطور اكثر لتصل الي عمق الصورة الفوتوغرافية ذات الفكرة والمغزي والتعبير والنور النافذ إلي أعماق الروح.. هذه الروح التي سنراها حيّة ترقص وتعزف وتغني وتلعب علي كثبان الرمال وفي أزقة شوارعنا العتيقة وعلي ملامح طفلاتنا البريئات.. تجربة تحتفي بالماضي لتحضره الينا وبالحاضر لتوصله إلي نقطة بدئنا التي نجهل زمنها لكننا نعيشها ونقبض علي ذروة عنفوانها.كاتب من ليبيا[email protected]