بمرور سنة على المذبحة الأكثر رعباً في تاريخنا، ها هي إسرائيل تغرق في حرب متعددة الجبهات. تستعد لتنفيذ تهديدها ومهاجمة إيران كرد على هجمة الصواريخ الإيرانية الواسعة في 1 أكتوبر. تكثر المؤشرات في لبنان على تصفية صفي هاشم صفي الدين، الخليفة المرشح لأمين عام حزب الله، حسن نصر الله، في غارة جوية أخرى في الضاحية. إلى جانب ذلك، يمشط الجيش الإسرائيلي قرى في جنوب الدولة، ويصطدم برجال حزب الله الذين يخوضون معارك دفاعية ضارية. أما الساحة الفلسطينية، في الضفة والقطاع، فثمة حالة تأهب عالية استعداداً لمحاولات تنفيذ عمليات يخططون لها لإثارة صدى كبير. لا شك في موضوع واحد: صفقة المخطوفين مع حماس عالقة تماماً، و101 مخطوف، نحو نصفهم لا يزالون على قيد الحياة، ربما يبقون في الأسر لفترة طويلة أخرى. بقدر ما يترسب الغبار بعد الهجمة الإيرانية، التي تضمنت -حسب التقارير- إطلاق 181 صاروخ باليستي، يتضح أمران: إمكانية الضرر الهائل لإطلاق النار وتحققه الضيق نسبياً. إسرائيل لا تقدم تفاصيل عن الأضرار التي ألحقتها الهجمة بالمواقع العسكرية، باستثناء تصريح بعدم تضرر الأداء الجاري لسلاح الجو جراء سقوط الصواريخ. صور من ساحة سقوط صاروخ في “هود هشارون” وتحليل صور الأقمار الاصطناعية من منشآت أمنية مختلفة قام به خبراء دوليون، يشهدان على حجم الدمار اللاحق وإن لم تقع إصابات في الأرواح.
إن النجاح الإسرائيلي المبهر في اعتراض النار من لبنان لا يشبه التصدي لتحدي الصواريخ البالستية من إيران. فنظام طهران لا بد أنه خائب الأمل من الإصابات والدمار المتدنية، بعد إطلاقه أكثر من 300 صاروخ باليستي في هجمتين، في نيسان وأكتوبر. ولكن يبدو أنه يسجل أمامه بأن رشقة ثقيلة من الصواريخ قد توتر قدرات الدفاع الإسرائيلية حتى النهاية. يصعب الافتراض بأن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية ستنتهي تقريباً، بل ثمة منافسة بين وتيرة الإنتاج وتدقيق منظومات الهجوم الإيرانية ومنظومات الاعتراض الإسرائيلية. فتحقيق قدرة عملياتية أولية تتمثل بالاعتراض بواسطة منظومة ليزر تستخدم من الأرض، المتوقعة في السنة القادمة، يفترض أن تساعد الجهد الإسرائيلي حيال تهديدات قصيرة المدى من لبنان.
الجهد ليس دفاعياً فقط. إسرائيل هددت بمهاجمة إيران، رداً على ليلة الصواريخ. الولايات المتحدة تدير معها اتصالات مكثفة في محاولة لتقييد طبيعة الرد ومنع تدهور إقليمي آخر، وإن كان الحرب الإسرائيلية – الإيرانية هي الأولى عملياً. الرئيس جو بايدن تحدث علناً ضد هجوم على مواقع النفط الإيرانية. إلى جانب ذلك، نقل الأمريكيون لإسرائيل رسائل ضد هجوم على مواقع النووي، المهمة التي ستتطلب تنسيقاً وثيقاً بين الدولتين.
الجنرال مايكل كوريلا، قائد المنطقة الوسطى الأمريكية، وصل أمس إلى البلاد لتوثيق عمليات الدفاع، في ضوء التصعيد مع إيران وحزب الله. أما البنتاغون، حسب تقرير في “نيويورك تايمز” فهو قلق من الوجود العسكري الأمريكي المعزز، الذي يستهدف ظاهراً المساعدة في احتواء الأزمة، يسمح لإسرائيل عملياً بتشديد إجراءاتها الهجومية، مع العلم أن لها ظهراً أمريكياً.
لكن إدارة بايدن لا تعرب عن تحفظ جارف لخطوات الجيش الإسرائيلي، بل وتعترف علناً بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها من خلال خطوات هجومية ضد خصومها. هذا صحيح لهجوم في إيران ضد مواقع عسكرية، وصحيح أيضاً لإزاء خطوة برية إسرائيلية في جنوب لبنان. لقد وافقت الولايات المتحدة بشكل غير مباشر على أن يعمل الجيش الإسرائيلي هناك لبضعة أسابيع أخرى على الأقل، رغم أن مبعوث بايدن إلى المنطقة، عاموس هوكشتاين، أوضح بأن الإدارة لم تعط إسرائيل ضوءاً أخضر مسبقاً للعملية.
إن التصفية المتوقعة لصفي الدين، تفاقم إحساس الفراغ في القيادة العسكرية والسياسية لحزب الله. قتل من القيادة السياسية مؤخرا أيضاً نبيل كويك، وهكذا بقي نائب نصر الله، نعيم القاسم، شخصية بارزة، إلى جانب بضعة نشطاء معروفين أقل. في ضوء قتل ممنهج لمسؤولي الذراع العسكري، بات واضحاً أن المنظمة تجد صعوبة في أداء مهام القتال وفقاً للخطط المعدة مسبقاً. في أثناء العيد، اشتدت نار الصواريخ نحو شمال إسرائيل، في ظل إطلاقها إلى عمق أراضي الدولة حتى منطقة قيسارية. ارتفعت وتيرة النار إلى مئات الصواريخ يومياً. ومع ذلك، لا يوجد في هذه الأثناء تحقق لسيناريوهات تكرار نار آلاف الصواريخ في اليوم.
الأسهل لحزب الله هو إبقاء وحدات صغيرة من قوة الرضوان لنشر الكمائن في قرى الجنوب لإعاقة تقدم الجيش الإسرائيلي. الأربعاء الماضي، قتل تسعة جنود من الجيش الإسرائيلي وأصيب العشرات، في ثلاثة أحداث جنوبي لبنان. وقتل نتيجة مسيرة أطلقت من العراق في معسكر للجيش في جنوب هضبة الجولان، جنديان آخران وأصيب نحو عشرون. يقدر الجيش بأنه قتل أكثر من 400 من رجال حزب الله في الأيام الخمسة الأولى من المعارك، بينهم قادة ميدانيون كثيرون.
العملية الإسرائيلية في جنوب لبنان محدودة حالياً في مداها وأهدافها، رغم الخسائر. قوات الجيش تحتل وتمشط مناطق معقدة نشر فيها حزب الله نطاقات عسكرية على مقربة من جدار الحدود، وتجتاح عدة قرى شيعية على مسافة بضعة كيلومترات شمالاً. وتشدد مصادر عسكرية على أن النية هي إنهاء العملية في لبنان في غضون بضعة أسابيع والتركيز على تدمير بنى تحتية عسكرية. غير أن في لبنان، مثلما سبق أن اكتشفنا في الماضي، علاقة واهية بين الخطط الأصلية أو المعلنة لإسرائيل، وبين الشكل الذي تتطور فيه الأمور حين يبدأ الاحتكاك مع العدو. تكمن صعوبة في إدارة حرب في الغيار الثاني: أحد المبادئ الهامة في الحرب هو السعي لتحقيق نصر سريع. ليس هكذا تتصرف إسرائيل. بداية في غزة، والآن في لبنان.
ومثلما ألمح هوكشتاين، تتجدد الآن محاولات أمريكية لإيجاد مخرج من الأزمة قبل وقوع قتلى ودمار آخر في إسرائيل ولبنان، ويتفاقم الصدام بين “القدس” [تل أبيب] وطهران. الجمعة، عرض وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في بيروت، تأييداً جارفاً من بلاده لحزب الله. يبقي الإيرانيون قرار التوصل إلى وقف نار مع إسرائيل في لبنان أو مواصلة القتال، في أيدي قيادة المنظمة ما دامت الحرب متواصلة في غزة، مثلما وعد نصر الله حتى تصفيته في 27 أيلول.
أي ضغط عسكري؟
في الخلفية، في قطاع غزة، الذي أصبح في الأسابيع الأخيرة ساحة فرعية، لا يزال الجيش يركز جهداً هجومياً ضد حماس في مناطق لم يناور فيها برياً في الأشهر الأخيرة. لكن قلة في إسرائيل فقط لا تزال تؤمن بالشعار القائل إن الضغط العسكري هو الذي سيؤدي إلى تحرير المخطوفين. فالضغط على فلول قيادة حماس قل، وفي كل حالة تتبين فيها عملية إنقاذ، نقلت المنظمة تعليمات واضحة لحرس المخطوفين بقتلهم.
مشكلة المخطوفين دحرت إلى أسفل سلم الأولويات الإعلامية والجماهيرية، في ضوء تصعيد الحرب في لبنان وإيران، وبشكل يريح الحكومة، فقد تقلص الاهتمام بأحداث يوم ذكرى المذبحة. واضح ظاهراً أن هذه حكومة لا يهمها معظم مواطنيها، سواء كانوا في أنفاق غزة، أم نازحين، أم يحاولون الوصول في العيد إلى وحدات الاحتياط في الشمال، حيث تم استدعاؤهم بالأمر 8، ليكتشفوا أن الدولة لم ترتب لهم المواصلات العامة في السبت، أو تحرص على تشديد حركة الطائرات لمن يتم استدعاؤهم مرة أخرى على عجل من خارج البلاد.
عاموس هرئيل
هآرتس 6/10/2024