عين على لبنان

حجم الخط
0

خليل قانصو

لعل من الفروق التي تميز الوضع السياسي في تونس عن نظيره في لبنان، وهي كثيرة، الفرقُ في النطق. فرجال السياسة في تونس، والى اي اتجاه انتموا، يتكلمون لغة عربية فصحى صحيحة المبنى، على عكس بعض المسؤولين الحاليين في لبنان، الذين اذا قرأوا تعتعوا ولحنوا في الكلام، وكأنهم لم يسمعوا بمبادئ الصرف والنحو، او ان المدارس التي تعلموا فيها الغت اللغة العربية من مناهجها. وليس مستبعدا ان تكون الهفوات والاخطاء التي يقعون فيها، دليلا على ان غاية الذين يرسمون الادوار ويدبجون الخطب، ليست ايضاح المعنى وايصاله الى الناس وانما الدعاية، اي الشكل، والتضليل.

ووضعا للامور في نصابها الصحيح، وبما اننا لا نستطيع فهم ما يقال في قاعات القصور الفسيحة التي شـُيدت في بيروت، كما هو معلوم فوق كـُوَم ِالركام، وبما انه لا علم لنا بما يدور في الخلوات التي تجمع رؤساء الغرب وملوك العرب في الولايات المتحدة الامريكية، كالتي عقدت مؤخرا من اجل وقف المشاركة السعودية في المساعي الحميدة بحثا عن تسوية في لبنان، لا مفر من محاولة البحث بتواضع، من دون رغبة في المساجلة، عن اسباب احتدام الازمة في هذا البلد، في هذا الوقت بالذات، وبلوغها حد الخطر الكبير. لا سيما انه من المعروف، للقاصي والداني، ان فريقي النزاع فيه، يحتاج كل منهما للاخر، ليس فقط لممارسة السلطة، ولكن ايضا للبقاء والوجود في ميدان الفعل، بكل بساطة. اسارع هنا للقول، ان من يريد شطب هذه المعادلة اللبنانية، هي الولايات المتحدة الامريكية، بالاضافة الى اسرائيل طبعا، لان مصلحتهما المشتركة تقتضي تصفية القضية الفلسطينية، اي حل قضية الشعب الفلسطيني خارج ارض فلسطين وانهاء الصراع العربي الاسرائيلي هذا من ناحية، اما من ناحية ثانية فلا يخفى ان الولايات المتحدة الامريكية تقود تحالفا استعماريا غربيا هدفه اسقاط النظام الحاكم في ايران، لانه ينتهج منذ انتصار الثورة الاسلامية سنة 1979 سياسة استقلالية، وذلك لاستعادة ما كان لهذا التحالف من نفوذ في عهد الشاه. تتوجب الاشارة الى ان جميع الفرقاء اللبنانيين شركاء في السلطة، وبالتالي هم يتحملون معا المسؤولية عن اخفاقاتها وانحرفاتها. ويلزم التذكير هنا انهم لم يختلفوا يوما حول سياسة الدولة الوطنية والانمائية والتربوية والاجتماعية، اذا جاز الحديث عن وجود مثل هذه السياسة في لبنان. ومهما يكن فهذا موضوع ذو شجون ولكننا لسنا بصدده. وفي هذه النقطة ايضا ازعم ان اللبنانيين يـُجمعون، ايا كانت ميولهم، الحزبية او المذهبية، على ان الفساد ينخر جسم الادارة الرسمية، وقد لا يتردد الكثيرون منهم بالمقاربة بين اداء الموظفين، من ادنى المستويات الى قمة السلطة من جهة، والتصرفات المافياوية من جهة ثانية. وخلاصة القول ان القانون لا يطبق، وان القوي يغتصب حق الضعيف وان الرشوة تفرض فرضا وتؤخذ جهارا، وان الغش بات يطال كل شيء على الاطلاق، حتى القوت والمشرب والدواء. ولا تسل عن الاختلاس والظلم والجرائم، ولا عن شبكات التجسس لحساب المستعمرين الاسرائيليين. ولكن اذا كانت جمــــيع هذه المسائل لا تهم هؤلاء الفرقاء، علما بانه ليس بإمكان احد الادعاء بنظافة يديه من كل هذه الممارسات المشينة، او بخلو صفوفه من عناصر ‘تخزن الاموال’، بطريقة غير شرعية، ‘منهــــومة باللذة سلــــسلة القيادة للشهوة’. فلماذا اذن تسوء العلاقة بينهم وقد تتفاقم وتبلغ حد الاقتتال والقطيعة، كما يتوقع المحللون، وكما جاء صراحة على لسان وزير سعودي، رغم المواثيق الطائفية التي تجمعهم وتجعل لكل منهم نصيبه من اقاسيم الكعكة اللبنانية. ولكن الاجابة على هذا السؤال تقتضي في البدء، الملاحظة بان اللبنانيين ليسوا بالقطع طائفيين او مذهبيين بالفطرة. فالطائفيون والمذهبيون هم ‘الزعماء’ و’الوجهاء’، الذين يتعاظم دورهم، في بعض الظروف، فيتزايد نفوذهم وتتوفر لهم الامكانيات المادية، مما يتيح لهم تجنيد اللبنانيين في الطوائف والمذاهب التي يترأسونها، كما يترأس سيد القبيلة قبيلته. وبتعبير اخر، ان المسار الذي تأخذه الامور في لبنان، ما زال كما كان منذ قديم الزمان، انحداريا، اذا جاز القول، من القمة الى القاعدة، وليس العكس. لعل الثورة التونسية تكون فاتحة لعصر جديد يتبدل فيه النظام والاتجاه. اما عن كيفية انتاج ‘الزعماء’ و’الوجهاء’ في لبنان، وعن الاسباب التي تدفع اللبنانيين الى القبول بالانضواء تحت راياتهم الطائفية والمذهبية، فلا اظن ان هذه المسألة تحتاج الى بسط وتوسع، نظرا الى تجلياتها التي لا تخفى على اي مراقب اذا ما تجـرّد من ارائه المسبقة ومن تعصبه. وانطلاقا من ان تبسيط المسائل لا يعني بالضرورة الاستخفاف بها او الاكتفاء بما يظهر منها على السطح، ولكن يمكن ان يكون وسيلة للكشف عن مفاتيحها ومغاليقها، وبقصد الاقتضاب الذي تفرضه حدود هذه المداورة، اظن ان لا جدال بان اصل الازمة اللبنانية التي تتوالى فصولها منذ سبعينيات القرن الماضي على وقع التقدم في النهج الذي كان الرئيس المصري انور السادات اول الذين انساقوا الى السير فيه، والتي دخلت مرحلة جديدة عندما غزت القوات الاسرائيلية لبنان سنة 1982، واحتلت عاصمته بيروت، ان اصل هذه الازمة اللبنانية ليس في لبنان. واظن ايضا انه ليس من حاجة لاستحضار البراهين على ذلك.

وبايجاز شديد نستطيع القول ان انظمة الحكم العربية، او ان اهل السلطة في البلاد العربية بوجه عام، وصلوا الى نقطة حرجة، نتيجة لسياساتهم التي اتسمت بالغباء، لانهم صدقوا الوعود التي قطعها الامريكيون على انفسهم امام الرئيس المصري انور السادات في كامب ديفيد في 17 ايلول/ سبتمبر 1978، ثم امامهم جميعا في مدريد سنة 1991، وكانوا خارجين للتو من الحرب ضد العراق تحت القيادة الامريكية، وامام الفلسطينيين في اوسلو سنة 1993، الذين كان يستضيفهم نظام بن علي في تونس، وامام الاردنيين ايضا الذين وقعوا معاهدة سلام مع الاسرائيليين سنة 1994، ولكن حكام العرب لا يتعلمون، او انهم غير قادرين على الاستفادة من التجارب التي يمرون بها. ليس غريبا اذن ان نراهم عاجزين اليوم، عن رسم خطة عمل تمكنهم من الضغط على الولايات المتحدة الامريكية او على اسرائيل لاجبارهذين الحليفين على الوفاء بما وعدا به. والاكثر غرابة ان هؤلاء الامريكيين والاسرائيليين يطلبون منهم مواصلة سلوك نفس النهج الذي كان السابق اليه، كما لمحنا اعلاه، الرئيس المصري انور السادات، حتى تتحقق، بحسب ادعاءاتهم، الظروف الملائمة لتنفيذ تلك الوعود والبـِّر بها. ولكن من البديهي، ان مواصلة السير على النــــهج المذكور بات ذا كلفة عالية جدا، وان تبعاته سوف تلحق ضررا كبيرا بدول الجوار، وتحديدا بايران وتركيا. واستنادا الى هذا كله، يمكن رسم المشهد العربي، بشكل مبسـّط يـُظهر مفترق طرق في مركزه، ومنه تنطلق ثلاثة اتجاهات تدل الشاخصات على الحلول الموجودة عند نهاياتها. اول هذه الاتجاهات هو اتباع الولايات المتحدة الامريكية التي تريد كما اسلفنا، ضم ايران الى منطقة نفوذها. تتجسد هذه الارادة، بالعمل على تحريض وتجنيد المجتمع الدولي ضد ايران، نتج عن ذلك حتى الان، استصدار قرارات دولية تقضي بالمقاطعة الاقتصادية، وبالتلويح باحتمالية توجيه ضربات عسكرية في اي وقت، فضلا عن اعمال جاسوسية وتخريبية تجري في ايران من آونة الى اخرى. والثابت في هذا الموضوع ان اسرائيل هي طرف اساسي وفاعل في تنظيم هذه الحملة العدائية. وبمعنى اخر، ان العلاقة بين ايران من جهة و الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل من جهة ثانية هي علاقة عدائية. رغم ان ايران لم تعتد على اسرائيل ولا على الولايات المتحدة الامريكية. اما الاتجاه الثاني فهو ما تنصح به الحكومة التركية التي ترى، على الارجح، ان مصلحة جميع شعوب المنطقة تقتضي نزع فتيل الحرب، وبذل كل الجهود للوصول الى تسوية تضمن التعايش السلمي، وربما ايضا التعاون الاقتصادي، وتحسين شروط التبادل بين هذه الشعوب والشعوب الاوروبية. ولكن هذا كله يتطلب تحولات في السياسة الاسرائيلية، تعكس التخلي او التوقف عن العدوان والاغتصاب والقمع والترحيل، بالاضافة الى ترك حيز من حرية الحركة والتعبير للشعب الفلسطيني. واول خطوة في هذا الاتجاه تتمثل، بحسب الرؤية التركية، ببعث رسالة واضحة الى الاسرائيليين، ممهورة بتواقيع الدول العربية والاقليمية، وهذا ما بادرت اليه الحكومة التركية وهي تحاول ان تقنع الاطراف الاخرى بنجاعته، ولكن من دون جدوى. يبقى الاتجاه الثالث، الذي يحظى في اغلب الظن بقبول الايرانيين، اذ يبدو ان هؤلاء لا يثقون على الاطلاق، بالولايات المتحدة الامريكية، واستطرادا بالاسرائيليين، بناء على ان هؤلاء واولئك هم اصحاب مشروع استعماري واحد ذي سمات امبريالية، اي ان هذا المشروع هو في الحقيقة سيرورة مستمرة دائمة، لا يتوقف ايذاؤه ولا ينتهي الا بفشله وهزيمته. من هنا كان عليهم، منذ ان انتصرت ثورتهم الاسلامية واسقطت نظام الشاه، ان يتخذوا كافة الاجراءات لدرء الخطر الذي يمثله هذا المشروع على استقلالهم، وحريتهم في اختيار طريقة العيش التي يرتضونها لانفسهم. وفي هذا المجال، كان من الطبيعي ان يبنوا منظومتهم الدفاعية، اعتمادا على ان افشالها هو في صالح الشعوب العربية ايضا. ولا شك ان هذا المعطى شكل مدماكا مركزيا في بناء هذه المنظومة التي تهدف، في المرحلة الراهنة ربما، الى جعل الاعتداءات التي اعتاد الاسرائيليون على القيام بها، من دون خسائر تذكر، باهظة الثمن.

وبالعودة الى الازمة اللبنانية، فاننا نرى انها ناتجة عن ان احد طرفي الصراع انقاد نحو الاتجاه الذي اختارته ايران، اما الثاني فاحتضنته انظمة الحكم العربية التي مازالت تحسن الظن بالولايات المتحدة الامريكية، وتضع ثقتها فيها، وتنتظر منها الوفاء بالوعود التي قطعتها، حينما تنتهي من ‘قطع رأس الافعى’، كما نـُقل عن الملك السعودي، ينبني عليه ان التسليم او الفرضية بان التناقض بين ايران من جهة، والولايات المتحدة الامريكية واسرائيل من جهة ثانية، هو تناقض جوهري، يستتبع اعتبار التناقض بين طرفي الصراع في لبنان من الفئة نفسها. ومن المعروف في هذا المجال تحديدا، ومن خلال التجارب السابقة ان الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل لا تتورعان عن انتهاك القيم الاخلاقية والقوانين والتضحية بعملائهما اذا اقتضت مصالحهما ذلك. وبالتالي فلا يزعجهما احتراق لبنان وتشريد شعبه مقابل تصفية المقاومة التي يقودها ‘حزب الله’، ولكن الايرانيين لا يستطيعون التخلي عن هذه المقاومة، لاسباب كثيرة منها ان القضاء عليها يضعفهم ويشجع الاعداء على مهاجمتهم. من المحتمل جدا، ان يكون السيد هيكل على حق عندما يقول ان ردة فعل الدوائر الاستعمارية الغربية على الثورة التونسية يمكنها ان تظهرعلى الساحة اللبنانية، بمعنى ان هذه الثورة قد تقرب ساعة الانفجار المنتظر على تلك الساحة. لذا نصح العرب بان ينظروا بعين الى تونس وبالعين الثانية الى لبنان. ومهما يكن فان الظروف تبدلت عما كانت عليه في تموز/ يوليو 1988، غداة توقف حرب الخليج الاولى، عندما بادرت الولايات المتحدة الامريكية الى منع العراقيين من استخلاص عبر ودروس التجربة التي مروا بها. ولعل الثورة التونسية دليل على ذلك، ولكن يجب الا ينسى حكام العرب وقادة الغرب، ان أمن تركيا ومصالحها، تمليان على حكومتها التصدي لاسباب الحرب ولمسببيها. فاذا كان ملوك العرب يريدون الحرب لقطع رأس الافعى، واذا كان الامريكيون والاسرائيليون يريدون الحرب لبسط هيمنتهم، واذا لم تلق دعوة الحكومة التركية اذانا صاغية، فليس مستبعدا ان تختار هذه الحكومة النهج الذي يسلكه الايرانيون.’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية