عيون الألب

حجم الخط
0

سهيل كيوان

وقفتُ وراءها في طابور طويل متذمّر لبطء سير عملية الاقتراع، منذ أيام وأنا مشتت الفكر والنظرات جريح مهزوم من وقعة قلب أدمتني وتركتْني مكلوماً صادياً لقطرة من هذا الترياق الغامض الساحر.

يخترق عطرها عتمة جسدي، معها كانت أولي نبضات الأنثي، وأقصي ما وصلناه بضع كلمات ورسمة قلب علي ورقة ملونة حسبناها شعراً وملامسة شفاه عمياء عددناها قبلات! فضحتنا سذاجتنا، ولم يشفق من اعتقدناهم كباراً علي نرجستين ضاعتا فرمونا بتهمة قالوا يومها أن عقابها السلخ كالكبش المعلق في وسط الطريق من عرقوبه الدالع لسانه الكئيب العينين والذي زُرعت بساديّة باقة بقدونس في مؤخرته! ثلاثة عقود ولم تذبل زهرة القبلة الفجّة، وتملكني شعور بأنني بقيت مدينا لها ولنفسي بمشروع نشوة سُرقت! يستيقظ حنين راقد ويدب في عروقي كلّما لمحتها، كنت متأكداً أن الدبيب نفسه يتسلل في دمها، تدهشني نفسي التي شوتها صواعق الجسد والروح كيف احتفظت بوهج قطرة ندي كل هذه المدّة! وراودتني نفسي المفجوعة بعشقٍ مجنون أعدمته طعنةُ عقلٍ نجلاء بنفض الغبار عن ورقةٍ قديمة مثل تاجر مفلس.. ماذا لو تحرّشت الآن بذاكرة قلبها! كم كانت بريئة وساذجة! أي دهشة ستبث ملامحها بعد كل هذه السنين! ما زالت تحتفظ ببقايا حظٍ في وجهها وقدِّها! وعجبت لطول أنفها الذي غطي حجابُ الحبِّ عورته! أما شعرها فقد استعار لون الخروب، تبادلنا ايماءتي رأس خفيفتين، وهمستُ لها كأنما لم يمرُّ دهر علي آخر كلمات تبادلناها بالطبع سوف تصوتين معي! ابتسمت خافضة جناحها لمبادرتي وافترّت ابتسامتها عن قواطع مشغولة بمهنية متدنية وهي ترد بضعف مصطنع لكن لا أعرف ما هو حزبك! اخترقتني نغمةُ صوتها الضعيفة بحمّي أدمنتها فقلت بهمس حارق وقد بدأت الغواية تدغدغ روحي صوّتي لـ عيون الألب! وشعرت بدبيب نشوة قادمة ينتشر في جسدي، وانتبهت حولي فرأيت رؤوسا اشرأبت استنكاراً وأخري خُفضت حياءً، ونوّرت ملامح وأظلمت أخري، ولمع بريق الأنثي الغاوية المغوية في وجهها وعينيها وسألت متغابية بصوت يطمح للنعومة أحقاً يوجد حزب كهذا أم أنك تمزح؟

، أكّدتُ لها طبعاً يوجد حزب كهذا وإذا لم تجدي شارته وراء الستار فهناك قلم وأوراق بإمكانك كتابة اختيارك! منحتني ابتسامة واعدة وغرزت نظرات مستكشفة مقتحمة بدأت من أعلي وتوقفت في منطقة الوسط مقتحمة المستور قائلة بهمس مكهرب ما زلت مثيراً رغم خطاك المقتربة من الخمسين مسحتُ بكفي علي شعري المبيضّ فقالت كأنما تواسيني الأبيض جميل! ما به الأبيض وضحكت بقهقهة حقنت الدم في وجهي. ووصل دورها، تأخّرتْ وراء الستار وتذمّر بعض الواقفين في الطابور المتثائب الي أن خرجت، ومرة أخري رمتني بنظرة نارية وفاقت جرأتها تصوري وهي تعلن بوضوح أنا معك. أُغلقت الأبواب وبدأ فرز الأصوات، وكالعادة حوي أكثر من مظروف صوراً إباحية، وتكررت صور بغال وحمير، وهناك من دس صورة صدام حسين في زنزانته ومنح آخر ثقته لابن لادن وتجلت هيفاء وهبة مكتسحة سوق الأصوات اللاغية، وكتب آخر بخط يده الجهاد الجهاد وظهرت صورة لعرفات بِِشارة النصر المهزومة.. وحتي كاهانا الفاشي والزرقاوي كان لهما نصيب من الأصوات! خلال هذه المعمعة ظهرت ورقة كُتب عليها بخط يد مشوّش وبالرصاص كلمتان قُرئتا بصعوبة (عيون الألب). ابتسم مراقبو الفرز وقالت السيدة الوحيدة بينهم ما أحلي وجود عشاق علي طريقة عيون الألب في زمن عيون التشات والخليوي وبوس الواوا! واستمر الفرز حتي اشتعلت طوشة متوقعة بين متحمسي بعض الأحزاب، إلاّ أن صوتها اللاغي أشغلني طيلة ما تبقي من الليل وأوهمت نفسي أنها قد تكون مرهماً لجرحي الذي توهج التهاباً تلك الليلة فلم أغمض عينيّ! في النهار بحثت حتي عثرت علي رقم هاتفها وبلا تردد اتصلت وإذ تأكدت أنه صوتها قلت هالو… أردت أن أشكرك علي الصّوت الجميل! وجاء صوتها مؤذياً وشامتاً: ما الذي فطّنك بيّ الآن! ـ الحقيقة أردت فقط أن أحيي مشاعري الجميلة تجاهك!

نحن بحاجة لهذا النوع منها.. فعادت لتقول بسخرية وكأنّما تمر بشيش محمّي علي جرحي الطري: بعدك عايش في زمن عيون الألب يا روح أمك! بدك تبوس الواوا والا ما بدّك! أنا ما عندي وقت للّف والدوران.. تظاهرت بعدم سماعها وأقفلت الخط مذعوراً، وأحسست بكبدي يزداد احتراقاً وبرغبة حقيقية في البكاء وأنا أدرك فداحة وعمق خسارتي التي لا تعوّض…. كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية