عيون العرب والمصريين على بورسعيد

حجم الخط
0

هي كعادتها بورسعيد، بشواطئها ومتاحفها ومساجدها وكنائسها، ترسم حياة المصريين وكفاحهم، وتجسّد صلابتهم ولحمتهم الاجتماعية، فقد ظل تاريخها متأثرا وفاعلا بتاريخ مصر منذ الاحتلال وحتى الجلاء، وكانت وما زالت مرجعا للمقاومة الشعبية والعمل الفدائي حتى اندحار المعتدين بعدوانهم الثلاثي البغيض، وبقيت كما أرادها أبطال البناء والتحرر والتأميم، بقيت بتفاعلها السياسي ارض أبيّة وحرّة، أكثر من كونها ميناء وسوق حرّة.إن ما يجري في بورسعيد وغيرها من المدن المصرية الآن، ليس إلا إفرازا طبيعيا ونتاجا متوقعا، لجملة من الأخطاء الكبيرة والمقصودة، ابتدعها وروّجها وطبّقها القائمون على الشأن المصري، بمختلف ملفاته الثقيلة وحيثياته المتشعّبة، فقطاع واسع من شعب مصر لا يثق بحكومته، ولديه اليقين بأنها غير مؤهلة، ولا تمتلك رؤيا قصيرة أو بعيدة الأمد في الجانبين الاقتصادي والسياسي المتأرجحين، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع بعد طول تردّيها، فيصحو المصري في أحسن الأحوال على فقدان السلع أو غلاء سعرها، وفي أسوا الأحوال على انهيار المباني وتصادم القطارات وتفاقم العشوائيات، وبعد ذلك احتقان سياسيّ، ومزيدا من الإقصاء والتهميش للكفاءات والخبرات، بسبب واضح أو بغيره، أما التعاطي مع الأحزاب والقوى الشعبية، فشد وجذب، وكسب وإضاعة للوقت، يدعى فيه جميع الأطراف إلى طاولة حوار مفترضة، ثم يخرج من حضر كمن غاب واستتر، حالهم كحال الحوار اللبناني، وليحمد المصري ربّه ويشكر الأقدار، أن في الشأن المصري لا يوجد ملف سلاح للمقاومة، ولا إشكالية للازمة والعلاقة مع سوريا على الطاولة . والاهم من ذلك خوف المصري من غده، وقلقه على لقمة عيشه، وإحباطه من نتائج وإفرازات ثورته، وسؤال لا يفارق سائليه حول من يحكمه ويقرر مصيره .لقد اتخذت القيادة المصرية جملة من الأوامر المسكنة والمتحسبة، كإعلان حالة الطوارئ وحظر التجول في بورسعيد وغيرها، لكن تصاعد الأوضاع واستمرار الصدام، وسقوط الضحايا حتى في تشييع الجنائز، لا يوحي بنهاية سحريّة وشيكة، ولا يحصد القبول والرضا الشعبي المطلوب، فمفاتيح الحل في يد الرئيس ومن يقف وراءه وليس في يد غيرهم، وإقالة الحكومة الحالية أصبحت في نظر المصريين حاجة ملحّة، ومطلب عاجل، واستبدالها بحكومة للإنقاذ الوطني والشعبي والاقتصادي، تضع في أول واهم أولوياتها، إنقاذ المواطن المصري البسيط من الانحدار والتدهور الاقتصادي، ولم شمل جميع القوى الحزبيّة والمستقلة وشباب الثورة، في بوتقة وحاضنة حب مصر ومستقبل مصر، وصياغة دستور جديد يخلقه إجماع الناس لا أغلبيتهم، فيكون حزام شدهم ورابط وصلهم، لا نار فرقتهم وتأجيج غضبهم، فيشعر أهل بورسعيد أنهم كما كانوا أبطال حرب، فإنهم أبطال السلم والانفتاح والعيش المشترك.يكفي بورسعيد ومدن مصر الأخرى ما عاشت من عقود القهر والتسلط وسوء الحال، لتستنشق نسيم الرخاء والحرية، ويكفي بورسعيد أنها غرست تلاحم الشعب مع جيشه للدفاع عن الأوطان من جحافل المعتدين، ويكفيها أن اهتزّت ونزفت لتصلح مصر وساستها، ويكفيها وحسبها من الماضي المجيد والحاضر الأليم أن تصنع وغيرها مستقبل مصر. المهندس زيد عيسى العتوم[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية