عَصِيّ الدمع

حجم الخط
0

بسـام الهلسـه ترغب في البكاء. لا قهراً ولا حزناً ولا فرحاً، بل البكاء الخالص لِـذاتِه، كما ضباب ناعـس، او شِتاء وحشـي حميم.

كم مـرة اوشـكـت وهَـمَـمْـت ـ اوهـكـذا ظنـنـت ـ لكـنـك لم تسـتـطع، وظـلـت دمـوعـك مكابـرة، عَـصِيَّـة، لا تـرِيـم.

تجهـل كُـنه هذه الرغـبة المبهـمة التي تعـتادك من حيـن لحيـن. وحينما تـتـذكر المَرَّات التي بكـيت فيها، تجد انها لم تبلغ عدد اصابـع اليــد الـواحـدة.’ ‘ ‘في الرابعة عشرة من عمرك بكيت اول مرة عندما توفي الرئيـس جمال عبدالناصر، او ‘ابـو خالـد’ كما اعتاد قومـك ان يـقـولـوا مـن بـاب الاُلـفـة والتـقـديـر.

تذكرُ الموقـف بوضوح: شعرت بغـصـةٍ واختناق فيما كنت واقـفاً تستمع الى المذياع وهو يعلن الخبر: تماسكت وانزويت في العتمة. وفجأة – ودون ان تدري – تـحَـدَّرت الدموع السـخينة من عينيـك، فتظاهـرت بانشغال ما وأشحت بوجهـك جانباً كي لا يـراه رفاقـك المتوترون الملتفـون حول المذياع.

لم تبـكِ بعدها سـوى ثلاث مرات: مرَّة في موقـف قهـرٍ وغيـظٍ، ومرتيـن إثـر وداع عزيـزَيـن رحـلا فجأة الى الابـد، بكاء صامتاً مـكـلوماً انطـلـق فغَـلبَـك على نفـسك.’ ‘ ‘ليس اعتذاراً ما ترويـه، ولا تبريراً لسلوك شعوري يبدو مخالفاً لتنـشئةٍ ثقافية ترى في بكاء الرجال علامة ضعف.

فأنت لم تبـكِ من ضعـف ولا فـزع عند المحن والملمات التي ألِفتها الى درجة اللامبالاة بها وكأنها امور طبيعيـة. ففي الظروف الصعبة الطارئة، وحتى الخطرة جدا التي عايشتها، كنت ـ وما زلت كما تأمل ـ تتصرف بهدوء تلقائي كمن يـزاول امراً اعـتـاد عليـه.

ما ترويه إذاً، هو استرجاع لما ترغب فيه الآن ولا تستطيعه. لعله يفتح باباً لدمعك الحبيس المضطرم الذي لا تعرف سِرِّه. لكنك لا تريد ان تبكي هذه المرة على أحد، بل على آمال عَبَّأتها عبر السنـيـن، وعلى عيـون حزينة غادرتـها اللهـفـةُ وبَـرَّحَها الصبرُ الجميل وشوق الانتظار، فاتكأت كإضمامة وردٍ على طاولة في مقهى مُعتمٍ خلا من الرواد.’ ‘ ‘ـ لم لا تـستـطيـع البـكـاء؟

ـ لعلك خَجِلٌ من نفسك؟ او تخشى أن ‘يذاع لك سر’؟ ـ لا انتظر منك ان تخبرني. اعرف انك لن تعترف، وستحدثني عن شأن آخر.’ ‘ ‘تلوذُ بصمتك، مُوارِياً ما انت فيه بابتسامة حارقة.

ويندلـعُ ســؤالٌ تعـرف مُسبـقاً اجابـته:

من ذا الذي يفهمك في ذا الزمن القاحل الموحش؟

ترغب في البكاء.. لكنك لا تجد صدراً تبكي عليه.

آهٍ عليك…’ كاتب من الاردن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية