خيري منصور
قد يكون العرب أقل من غيرهم نزوعا للانتحار، فهم غير مشمولين حتى الان برعاية موسوعة ‘ غينيس’ التي غالبا ما تفوز دول من شمال اوروبا بأرقامها القياسية، ولن نذهب في التفسير بعيدا بدءا من التحريم الديني لقتل الذات حتى كون العربي كائنا مؤجلا لفرط ما ادّخر من المكبوتات، فقد نكون كعرب من اكثر شعوب الأرض استخداما لحروف التسويف وبالتالي التعويل على القادم من الايام لتسديد مديونيات الأمس.
لكن هذه المعالجات للانتحار بمعناه الوجودي منذ دوركايم حتى امبرتو ايكو مرورا بألبير كامو وآخرين ليست من صميم الظاهرة التي أفرزها فائض الطغيان والعسف في العالم العربي، وانتحارات دوركايم السايكولوجية والاجتماعية او اطروحات كامو عن الانتحار العقلي الذي ينجو منه الجسد لكن الموت يصبح من نصيب الوعي، لا تصلح مدخلا لهذه العنقاوات العربية التي اعادت انتاج اسطورة طائر الفينيق في الألفية الثالثة، وأول اختزال مخلّ وقع فيه الراصدون لهذه الظاهرة الوليدة هو نسبتها جملة وتفصيلا الى البطالة والفقر، لكن ما فعله الشاب الموريتاني الذي احرق نفسه داخل سيارة مغلقة يشذّ عن هذا التفسير النمطي، لأنه لم يكن عاطلا او جائعا بل يمتلك سيارة في بلد فقير يعتبر فيه متوسط الدخل من ادنى الأجور في العالم.
ولكي لا يختطف الرّماد او الفحم البشري لا الحجري، علينا ان نقرأ الظاهرة من اول السّطر، فالعربي وريث ادبيات وطقوس حول الجسد تعتبر بعدة مقاييس اكثر تعقيدا من مثيلاتها لدى شعوب أخرى. انه وريث الصوفي الذي خلع جسده كما يخلع رداء باليا، ووريث بن عربي الذي كان يجلد جسده في الليل لأنه المطيّة التي لم تعد تقوى على حمل الرّوح، وهو ايضا وريث الجاهلي الذي ضاق ذرعا بجسده لفرط ما أقام فيه او سكن، فودّ لو انه مجرد حجر ملقى في العراء… ما الذي تبقى للعرب كي يفعلوه بأجسادهم المكبلة والتي لا تجيد سوى رقصة واحدة هي رقصة الطائر الذبيح من شدة الألم! لقد اكتشفوا بعد أزمنة من نزع مفاعيل الجسد وتدجينه، انه السلاح المؤجل، والشيء الوحيد الذي يمتلكونه رغم القرارات المتعاقبة بنزع ملكيتهم له، وحين كتب امبرتو ايكو صاحب العبارة الخالدة ‘ هكذا هي الوردة.. فلا تفرطها ‘كان يعني ما هو أبعد من هذه الكلمات، مما اضطره الى العودة ثانية للكتابة عن تسليح الجسد او تحويله الى اداة تفجير، بحيث يكون الانتحار مُأدلَجا وليس مجانيا، وكأن من يمارسه يعيد الرهان الشمشوني، عليّ وعلى اعدائي. لقد انشغل العالم زمنا بما سمي بالعمليات الاستشهادية التي تهدف الى قتل العدو من خلال قتل الذات، ولأن المسألة سُيّست تماما فقد تم تصنيفها في خانة الارهاب، ولا ندري لماذا صمت علماء النفس والاجتماع عن ظاهرة سطحها سياسي او ايديولوجي لكن باطنها غير ذلك تماما. ان من اعادوا اكتشاف اجسادهم من خلال بلوغ آخر غير عضوي قرروا على ما يبدو انفاقها كرأس مال وحيد لهدف محدد، فالجسد بالنسبة لمن يكبله و يعذبه موضوعة اشكالية بامتياز، لهذا يسعى السجّان الى علاج السجين كي يواصل تعذيبه لأن الموت في هذه الحالة انعتاق وحرية، حيث يكف الجسد عن الشعور بالألم، فلا يهم الشاة سلخها بعد الذّبح!* * * * * * *في الفصل المثير والغرائبي الذي كتبه ميشيل فوكو عن تعذيب المسيو دميان، تتولى عدة خيول شد اعضاء الضحية بحبال متينة، كي لا ترتخي او تقطع، لكن مقابل هذا التعذيب الذي يتمزق فيه نسيج اللحم ببطء ثمة اطباء يراقبون المشهد، ويتدخلون في اللحظة المناسبة لانقاذ الضحية كي تصلح ثانية لمواصلة التعذيب ولم يكن العرف المتوارث لدى السجانين في العالم وهو تجريد السجين من اية ادوات يمكن استخدامها للانتحار الا تكريسا لمفهوم اطالة عمر الضحية كي يتواصل تعذيبها لأنها ان ماتت افسدت على الجلاد مهنته وشهوته وساديّته!* * * * * * * *لقد جرّب العربي كل المفاتيح التي قدمتها له ذاكرته وثقافته لفتح اقفال مغمورة بالصدأ، وأدمى قبضته وهو يدق على بوابات عملاقة لم تتزحزح ولم تصرّ. تظاهر وصرخ حتى تفصد الدم من فمه وشرايين عنقه ولم يصل الصوت الى المرسل اليه، واخيرا اوشك على ان يفقد صوته، وجرّب ايضا ان يكظم الغيظ لكن فائض الغيظ حوله الى وتر من لحم مشدود بين العظم والنخاع. هكذا اعاد اكتشاف جسده، فقرر ان يحرقه كي يضيء كبرق في ليل دامس. انه عنقاء جديدة، لكنها فرّت من الاسطورة ومن عمق القصيدة لتحلق قليلا ثم تحترق لعلّ الكائن الجديد الحرّ يتخلّق من رمادها، ففي عصر الانترنت يعود الى الحمام الزاجل مطالبا بدوره المسروق كما حدث للدجاج في قرى فلسطين خلال الانتفاضة، فقد تولى هذا الدجاج مهمة الابلاغ والتواصل بين البيوت في ساعات منع التجول. ان التاريخ يتنحى احيانا للأسطورة رغم الوهم بان زمانها ولّى، وان ما تبقى منها هو مجرد شحنة في قصيدة او كلمة سحرية غامضة في نصٍّ واضح ومقروء… من السذاجة ان نسأل لماذا يحرق العربي جسده؟ فالاسباب محفوظة عن ظهر قلب حتى للشجر والحجر والماشية لأن الظلم لم يعد مجرد حالة قابلة للحصر، فالتضاريس كلها مغمورة وملغومة به، هذا الجسد الذي يحترق الان تثير رائحته فضول الحيوان والجماد، ولا بد ان ما حدث لهذا الكائن أبعد وأشد تعقيدا من كل ما يقال، فالحياة لم تعد عزيزة، لكن هذا النمط من الانتحار غير المجاني يقصد به تحويل الرماد الآدمي الى خطاب بليغ في زمن الصمت الأصفر، حيث تملأ السوائل الافواه. فمن لا يملك ما يشهره في وجه العالم، يشهر جسده ويضيء، لعلّ هذا المستوى من افتضاح الواقع، بما آل اليه من استنقاع، والاهانة، بما شملته من ذكاء الناس ولحمهم وذاكراتهم واحلامهم، هو اسلوب التعبير المبتكر الذي اجترحه فتيان عرب تكسّرت كل المفاتيح التي جربوها في قفل القلعة الكافكاوية الموصدة والمحروسة بكل ما هو مضاء للبشر حقوقا وثقافة وحلما!* * * * * * * *اهم ما اكتشفه العربي بعد رؤيته بالعين المجردة عواصمه تتساقط وتاريخه يسرق من الكتب والمتاحف ولسانه يجفّ من الصمت القسري المقرر هو انه لم يعد أعزل من كل شيء، انه يمتلك جسده على الأقل، وهو ان كان سيرقص به في لحظة فرح فقد يخذله في منتصف الطريق بسكتة دماغية او قلبية او قومية، فلا أقل من ان يعيد اكتشاف ملكيته لهذا الجسد، وان كان سيجد بعد اشعال النار في لحمه وعظمه ونخاعه من يفتش عن وثيقة هذه الملكية وهي شهادة الميلاد… لكن من يجرؤ على سؤالنا عن شهادات ميلادنا…. ان كانت الحياة برمتها مجرد سلسلة من اشارات الاستفهام والتعجب، وما دام كل شيء مؤجلا من المهد الى اللحد؟… لقد حقق العربي ما تيسّر له من الاستقلال عن غزاته ذات يوم بسلاح يتدرج من البدائي حتى الحديث، لكنه الان يكتشف أن الاستقلال الآخر والحقيقي لا يتم الا بالرماد البشري!!!!