السويد: منذ أيام قليلة انتهى عرض المسلسل اللبناني «ع اسمك» على قناة «إم تي في» اللبنانية لتتوافق أحداث المسلسل وتتواقت مع فترة الأعياد ورأس السنة، حيث ربطت الكاتبة كلوديا مرشليان فترة عرض المسلسل بفترة أعياد نهاية السنة، كخلفية درامية لأحداث العمل، حيث اختارت هذه المناسبة لتغليف العمل بطابع تصالحي ديني مسيحي، ومحاولة للعبور إلى ضفاف آمنة وحلول لتعقيدات مجتمع يعاني من تناقضات طبقية واجتماعية وإنسانية عديدة، من خلال تمجيد فكرة الغفران والتسامح لمواجهة التناقضات التي تعيشها شخوص العمل. العمل من إخراج فيليب أسمر الذي أتقن باختياره لممثلي العمل، فأطلق العنان للإفصاح عن إمكانياتهم التمثيلية بتشخيص الأدوار الموكلة إليهم، بحرفية عالية ومصداقية وعفوية كبيرة قاربت وتقاطعت مع حياتنا الإنسانية والاجتماعية الحياتية.
تناقضات المجتمع
العمل من بطولة كارين رزق الله، الإعلامي جيري غزال، بالإضافة إلى نخبة من الممثلين اللبنانيين، يوسف حداد، علي الزين، ليليان نمري، ختام اللحام، مجدي مشمشي، فيفيان أنطونيوس، مارينال سركيس، نقولا دانيال الطفلة تالين بورجيلي، إلى جانب الطفلة المبدعة غارديلا طربيه. يقارب العمل التلفزيوني الدراما المكسيكية بحبكته المشوقة ونهايته السعيدة، إلا أن مرشليان، ومن خلال حبكتها المشوقة تلك أرادت أن تغاير المألوف، لتخوض في ردهات عوالم شخصيات مركبة تعبر عن تناقضات المجتمع والخلفيات الاجتماعية والنفسية، التي أثرت بدورها في سلوك الشخصيات وردود أفعالهم. أرات الكاتبة من خلال مسلسل «ع اسمك» عرض رسائلها الضمنية لمناقشة واضحة وصريحة عن حق الأم اللبنانية بتسمية طفلها باسمها، وبضرورة إشراك ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، والدفاع عن حقوقهم الإنسانية، وتأكيد أهمية حضورهم الاجتماعي والإنساني أسوة بغيرهم. مرشليان كما عودتنا في بقية أعمالها الدرامية، تسعى لاختراق النمطية والغوص بما هو مختلف وإشكالي، من خلال ابتكار قصة جديدة وغير مألوفة على المجتمع اللبناني ومجتمعاتنا العربية عموما، من خلال رصدها لردود فعل المجتمع في تعاطيه مع امرأة تحاول البحث عن مخرج آمن لتسمية ابنتها لكي لا تبقى مكتومة القيد. آثرت مرشيليان الغوص في تابوهات المجتمع، الذي يرفض أصلا فكرة حمل المرأة بدون زواج شرعي، أو حتى حق الأم بتسمية طفلها باسمها.
اختارت الكاتبة وعبر قصتها التعبير عن قسوة المجتمع، الذي يضطر بطلة العمل جود، التي أدت دورها الممثلة اللبنانية كارين رزق الله أن تخوض مغامرة البحث عن كنية لاسم ابنتها، رحلة البحث ستكلفها الكثير، فقد قامت جود بمقايضة تسجيل اسم طفلتها باسم رجل مقابل المال.. يرصد العمل الدرامي وعلى مدى ثلاثين حلقه صعوبة واستحالة اختراق القوانين الاجتماعية والوضعية والدينية، لمجتمع لا يعترف بأحقية الأم بتسجيل طفلها باسمها، فيخوض العمل في دهاليز إشكالية، بقالب درامي وقصة مشوقة تتنوع خيوطها الدرامية، وتتعقد في شبكة علاقات اجتماعية ومصائر تتقاطع وتتجاذب في بيئة اجتماعية مسيحية، من المفترض أن تكون من أكثر البيئات الاجتماعية انفتاحا. إلا أن العمل عبر حلقاته وتصاعد أحداثه يكشف النقاب عن تعقيدات مجتمع يتوه في أتون صراعات داخلية وبيئية متعددة المستويات، نفسية، طبقية، قانونية واجتماعية.
تحاول الكاتبة، ومن خلال اختيار عنوان العمل «ع اسمك» الدخول إلى المناطق المظلمة في موروثنا وعاداتنا المجتمعية متكئة على إمكانية خلخلة الموروث الديني القانوني والمجتمعي، الذي لا يؤمن بحق المرأة بتسجيل طفلها باسمها، وكأنها كائن ناقص لا يكتمل إلا بوجود الرجل.
تدور أحداث العمل حول امرأة تدعى جود، تنتمي لعائلة ثرية تصاب نساء عائلتها بمرض سرطان الرحم الوراثي، الذي يتسبب في وفاة الأم وابنتها، يترك الخوف من المرض أثره في مصير الاختين اللتين ستدخلان في رحلة تحدي مثيرة، التخلي عن الرحم مقابل الحياة. تبدأ أحداث القصة بالتعرف على شخصية جود التي دخلت في دائرة التحدي المرير، برفضها التخلي عن رحمها لكي تختبر أمومتها وتنجب طفلا، حيث قررت السفر إلى فرنسا لتقوم بعملية التلقيح الصناعي، وتحمل حملا غير شرعي، بدون إدراك مسبق لمخاطره وصعوبة واستحالة هذا التحدي. في المقلب الآخر نتعرف على اختها سابين، التي أدت دورها الممثلة فيفيان أنطونيوس التي قبلت بالخيار الطبي الآمن، ونزولا عند رغبة والدها الثري الذي طالبها بالتخلي عن رحمها لضمان بقائها على قيد الحياة، الأمر الذي تسبب بتخلي خطيبها عنها بعد العملية لتعيش خيبة أمل مزدوجة أدخلتها في حالة كراهية وكآبة دائمة ومستمرة.
جود وانطلاقا من خلفية شخصيتها المتمردة في الطفولة تقرر المغامرة، فتعود إلى لبنان بحمل ثقيل ومسؤولية لا تدرك عقباها، فترفض عائلتها قبول خيارها بتجربة الحمل فتطرد من منزل والدها الثري المتنفذ، الذي سيحرمها من الميراث وحقوقها كابنة فيتركها تواجه مصيرها بنفسها بدعوى العار. تبدأ جود رحلة معاناتها وصراعها مع مجتمع، يرفض رفضاً قاطعا تسجيل طفلتها باسم الأم، حتى لو أدى ذلك لتسجيله كمكتوم القيد. تنسج مرشليان قصتها مع محاولة جود العبور لمرفأ آمن لمشكلتها عبر لقائها صدفة بإلكو، الذي أدى دوره الإعلامي جيري غزال، إلكو الشاب الذي يرغب بتحقيق طموحه بدراسة التصوير الفوتوغرافي في أمريكا، إلا أن ظروفه الاقتصادية وانتماءه لعائلة فقيرة تمنعه من تحقيق هذا الحلم.
تلتقط جود حلم هذا الشاب لتبني مقايضتها المتمثلة، بقبول زواجه منها على الورق ريثما تولد طفلتها لتسمى باسمه ليتم قبولها قانونيا في دوائر الدولة، ويتم الاتفاق في ما بعد على إزالة الاسم عندما تجد جود حلا لمشكلتها، المقايضة تتم مقابل مبلغ الخمسين ألف دولار.
«ع أسمك» قصة عاطفية دافئة وصارخة بتناقضاتها وتحدياتها، تعقدت وتشابكت بين المنطق والمنفعة، الرغبة والخوف من المستقبل ومدى تأثير الآخرين في سلوكنا وخياراتنا.
كل ما سبق هو خلفية العمل التي سنتعرف على تفاصيله في حلقات المسلسل المتتابعة، ففي الحلقة الأولى نتعرف على الصدفة التي قادت ألكو للالتقاء بجود بعد سنوات من البحث المضني عليها، حيث يأتي الى المشفى بسبب استدعاء الشرطة له لاستلام ابنته، كما هو مثبت في الأوراق الرسمية إنه والد الطفلة التي سارعت في التعبير عن فرحتها بلقائها به. بسبب تعرض جود لحادثة سرقة أدت إلى إصابتها بنزيف بسيط في الدماغ، الصدفة التي ستعبر به إلى ضفاف ومحطات جديدة في حياته.
تقودنا الحلقة الأولى وتشدنا بتشويق لرحلة التعرف على البيئة المحيطة بجود وابنتها وخلفيتها الاجتماعية عائلتها ماضيها، المعاناة التي عاشتها وكابدتها لإثبات وجودها في الحياة ولتربية طفلتها الوحيدة، حيث اضطرت للعمل كمدرسة وعاملة تنظيفات في مدرسة السيدة جورجيت درباس التي ساعدت جود في تأمين معيشتها. أحداث كثيرة وشخصيات عديدة نصادفها في هذا العمل، تتماوج وتتمايز بتناقضات عديدة.
نتعرف على محيط بيئة وعائلة ألكو، العائلة الفقيرة التي تتصارع في خيباتها وفقرها المدقع ومشاكلها الاجتماعية وتعقيدات حياتهم وعدم قدرتهم على التعامل مع طفلتهم المصابة بمتلازمة دارون، التي تبحث عن وجودها الإنساني في حب وهمي حيث تكرر الهرب ليلا لتتأمل صاحب البار الوسيم، إلى العمة حنا أدت دورها مارينال سركيس الذي أضافت بحضورها العفوي والعميق أداء كوميديا وحياتيا مميزا، إلى الأخ إدموند أداه يوسف حداد، الذي يخوض هو الآخر صراعا مريرا من نوع آخر.
يغوص العمل كذلك في سبر أغوار عائلة جود أيضا فنتعرف على معاناة الأخت سابين، والأخ الذي هجرته زوجته، ونتعرف على صديق جود الوفي كرم أداه مجدي مشموشي الشاب الميكانيكي الذي يحبها ويتمنى الارتباط بها، تختاره جود ليتزوجها ولينقل اسم طفلتها ميريام على اسمه، لأنه يمثل الرجل الوفي والمحب والفقير الذي لن تخاف البتة على مستقبل ابنتها معه مضحية بحبها لألكو. نتعرف في هذا العمل على حكاية كل شخص، عوالمه الداخلية، صراعاته النفسية تناقضاته المتأرجحة بسبب الأزمات الاجتماعية، وتناقضات الواقع المتعددة الأوجه، فكل شخصية لها حكاياتها الخاصة وتركيباتها النفسية المتداخلة مع بيئتها وظروفها وقهرها الاجتماعي وتناقضاتها الداخلية المتعددة المستويات، الأمر الذي ميز العمل وشد المشاهدين إليه.
قصة عاطفية
«ع اسمك» قصة عاطفية دافئة وصارخة بتناقضاتها وتحدياتها، تعقدت وتشابكت بين المنطق والمنفعة، الرغبة والخوف من المستقبل ومدى تأثير الآخرين في سلوكنا وخياراتنا. انتهى العمل بنهاية مشتهاة أرضت شوق المشاهدين وأمتعتهم بقصة مشوقة ونهاية سعيدة، إلا أن ما يميز ويغاير العمل هو جرأته في فتح الباب مشرعا أمام أسئلة وقضايا وحقوق مازالت تتأرجح بين القبول والرفض، قضايا إشكالية بنكهة درامية تمايزت واختلطت بإبداع الممثلين العفوية، التي تقارب وتشابه حياتنا كثيرا. أدوار لا تخلو من المرح و البساطة كجورجيت درباس، والعمة حنا، بالإضافة إلى تعرفنا على إمكانيات تمثيلية مميزة لكلا الطفلتين، تالين جيلبر التي قامت بدور الطفلة ميريام ابنة جود، والأداء التمثيلي الرائع للممثلة غرديلا طربيه التي أدت دور دولي الطفلة المصابة بمتلازمة.
انتهت حلقات العمل الثلاثين بإطلالة مميزة للممثلين، وبرسائل ضمنية تزعزع التابوهات، وتؤكد انتصار الحب والإنسانية على الموروث النمطي السائد.