غابة الشجرتين

حجم الخط
0

عزت القمحاوي جعلتم الشجرتين غابة؟! هكذا استهجن أبو العربي مبالغة الذين قالوا لهم إنهم رأوا زوجته في وضع عاطفي مع رجل غريب بالغابة التي خلف البيت. لكن جدية الطارىء جعلت من الشجرتين غابة حقيقية وهزمت استغراب أبو العربي؛ الشخصية الفكاهية في مدينة بورسعيد، رديف أبو العبد في بلاد الشام، وسليل جحا الساكن في التاريخ. قليل من اللبن للهررة، قليل من الماء وبعض فتات الخبز للطيور. كان أول ما سكن الشجرتين غراب يتطير الكثيرون من صوته لكنه أعذب من كروان عندما يشق الصمت، ثم جاء نورس، وبعده جاء سرب من عصافير الدوري، ثم جاء زوج يمام، وأخيرًا تركت قطة مستهترة هررتها الصغيرة ومضت. الآن يستمتع الطارىء بمعزوفات الطيور تحت نافذته ويستعيد سعاداته من خلال المواء الشبقي للقطط الشابة في قلب الليل.

إحالة شجرتين إلى غابة عمل بسيط لا يتطلب إلا القليل من الحنان.

أطفال لا يعرفون الخوفعندما اكتشفها وسط العشب، وقف الطارىء يتأمل الهررة الناعمة البيضاء كأيام الطفولة. غامرت ثلاث منها بالهرب تحت أشواك أغصان الجهنمية، بينما تقدمت الرابعة باتجاهه بخطوات ثابتة وعينين متحديتين وفم غاضب يكشف عن أنياب لبنية. في البداية ابتسم سخرية من المفارقة الكاريكاتوري بين تنمر الهرة وحجمها الأقصر من إصبع، ولكنها لم تعبأ بسخريته وأخذت تتقدم بثبات نمرة تملك غابة. بدأ الطارىء بالتقهقر مستدعيًا كل رعب حواديت الطفولة من الكائنات غير الأرضية التي يحلو لها التنكر في أجساد القطط. وعندما صار في أمان أخذ يفكر في التناقض الكاريكاتوري بين قامته التي تتجاوز المائة وثمانين سنتيمترًا وبين عقلة إصبع تحبو باتجاهه. ضحك مستعيدًا شجاعته المجروحة، وقرّب منها إناء اللبن.

أطفال لا يعرفون الموتأطفال الثورة كشروا عن غضبهم الرهيف كرفيف الفراشات، حملوا لافتات من ورق، غنوا في النهار وفي الليل أوقدوا الشموع، لكن الآلهة المزيفة ليست في هشاشة الطارىء، لم تنسحب من وجه الصغار عندما هتفوا. ردت على الكلمات بالنار، أحرقت الغابة التي لم يتنسم الأطفال هواءها بعد. لكن إلهًا مزيفًا واحدًا لم يضحك أو يتعقل مستعيدًا شجاعته المجروحة، ظل الطغاة على خوفهم، وبكل الخوف واصلوا سحق ذوي الأسنان اللبنية. إحالة الغابة إلا صحراء، عمل بسيط، لا يتطلب أكثر من قسوة الوحوش.

أطفال لا يعرفون الكذبالشباب، الذين لم يموتوا بعد في سورية، اختاروا طريقًا صعبًا للسخرية من انتخابات مجلس الشعب التي تجري وسط حرب إبادتهم. طبعوا في تكتم شديد منشورات وملصقات انتخابية باسم الأطفال الشهداء ودعوا الناخبين إلى التصويت لصالحهم. لو كان الأمر بالحب لفاز الأطفال من دون حاجة إلى دعاية؛ فهم ليسوا لصوصًا ولا جبناء ولا كذبة، وهم يحبون بلادهم أكثر من كل المرشحين الآخرين، وهم أحرار أكثر من كل المرشحين الآخرين، وإن كانت الحياة شرطًا لدخول البرلمان فالأطفال الشهداء أكثر حياة من كل النواب الأسرى. ولكن الله لا يرضى بأن يبعث أحبابه في بيت الدنس، ولهذا لم ينجح أحد من الأطفال، لم ينجح أحد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية